أخبار عاجلة

حاتم عبدالحكيم يكتب: هل تُدار المؤسسات بـ “الشو” الإعلامي؟

تتحول الميكروفونات وعدسات الكاميرات في الجولات الميدانية للمسؤولين أحياناً من أداة لتوثيق الإنجاز إلى منصات للوم العلني والمحاسبة الانفعالية. عبر ثلاث مواقف يتجلى المشهد بين صرامة المسئولين وصمود أبناء الميدان، ليطرح تساؤلاً جوهرياً حول حدود الإدارة الميدانية وأخلاقيات المحاسبة.

ثلاثة مشاهد من قلب الميدان

* محور ديروط (أسيوط): شهد الموقف الأول توجيه وزير النقل لوماً حاداً لمهندس شاب ارتبك في ذكر معطيات جغرافية تحت ضغط العدسات والمرؤوسين. ورغم حرص الوزير على إنهاء الجولة بروح إيجابية وتطييب الخاطر، إلا أن الارتباك أمام الكاميرات ذكرنا بأن رهبة المواجهة الإنسانية طبيعة بشرية تُصيب حتى الكبار، وأن الكوادر الشابة تحتاج لبناء الثقة لا لكسر العزيمة.

* فصول بني سويف: تكررت الفلسفة ذاتها في الموقف الثاني، حين واجه وكيل وزارة التربية والتعليم طفلة صغيرة اصطحبت “كيس طعام” داخل الفصل بمحاسبة قاسية أمام الكاميرات بدلاً من احتواء براءتها، قبل أن ينتهي الموقف أيضاً بمحاولات لاحقة للطف والاحتواء.

* مدارس القليوبية: تجسد الموقف الثالث في مواجهة حادة بين المحافظ ومديري مدرستين بسبب حالة التجهيزات والنظافة؛ لتكشف الأحداث عن صمود المديرة وتحملها وزملائها بإصلاحات على نفقتهم ومستندات تثبت مخاطباتها الرسمية لمواجهة عجز الميزانيات ، وتواجد المدير بملابس العمل اليدوي للمشاركة في أعمال الصيانة بنفسه. ولم يتأخر رد الاعتبار، حيث سارع وزير التربية والتعليم بتكريمها رسمياً في مقر الوزارة، مؤكداً أن كرامة المعلم خط أحمر.

إن متابعة الانضباط والتجهيزات حق أصيل ولزام على كل مسؤول، إلا أن اختزال المشكلات المعقدة في “شو استعراضي” أمام العدسات يترك آثاراً عكسية؛ فهو يُهشم هيبة القيادات والكوادر أمام المجتمع، ويسعى لتحميل الفرد الميداني أعباء قصور التمويل أو التوتر النفسي.

إن المشاريع القومية العظيمة وتطوير المنظومات التعليمية غايات نبيلة نجلّها جميعاً، لكن كرامة المهندس الشاب، وعزة نفس الطالبة الصغيرة، وهيبة المعلم المرابط في الميدان، هي المحور الحقيقي الذي لا يقبل الانكسار. فالقائد الحقيقي هو من يصون إنسانية صناع المستقبل ويبني الثقة في النفوس.. قبل أن يبني في الأرض حجراً.