يتجلى المدخل الأولي للديوان الذي أصدره نزار قباني في طبعته الأولى في سبتمبر 1944م بعنوان : ( قالت لي السمراء ) عن مطبعة الفجالة بالقاهرة، في توجيه خطابه الشعري مباشرة إلى القارئ، إنه يخاطب القارئ في هذا العام الذي كان يشهد تحولا من الرومانسية إلى الواقعية، بفعل الأحداث العالمية وقتها وأبرزها الحرب العالمية الثانية (1939-1945) يخاطبه بشكل تتحقق فيه الرؤية الواقعية، بيد أنها رؤية ممزوجة بهاجس رومانسي جلي حين يصبح القلب هو المعادل الموضوعي للشعر يقول نزار في تصديره:
قلبي كمنفضة الرماد أنا .. إن تنبشي ما فيه تحترقي
شعري أنا قلبي ويظلمني .. من لا يرى قلبي على الورقِ
كما يتجلى في البيتين هناك عناق دلالي ما بين القلب والشعر، يصل لدرجة الامتزاج لا لدرجة التشبيه البليغ فحسب ( شعري أنا قلبي) ، فالقلب هنا هو الشعر، والشعر هو القلب، وكلاهما يتخذان في البيتين سمات واحدة مشتركة إلى درجة التماهي ، كأن القلب يتجلى على الورق إذ يتجلى شعريا على هيئة أحرف وكلمات وجمل. كأن الشاعر يصبو إلى توزيع قلبه وتقسيمه على اللغة الشعرية التي ينتجها ويبدعها.
في البيت الأول تبيان شعري لما ينطوي عليه القلب من حريق، من جمر تحت الرماد، القلب من وجهة إنسانية وجدانية هو من يتحمل عذابات الحياة والوجود، هو من يقرأ ويرى ويتبصر ويشعر، هكذا تأتي توصيفاته حتى في الأفق المقدس 🙁 ولو كنت فظًّا غليظ القلب لانفضوا من حولك) فالقلب عنوان الإنسان الثاني بعد الروح، وهو الفضاء الداخلي الذي يحكم على الأشياء ويتبصرها بعينه الأكثر رؤيا ورؤية.
نزار قباني استهل أول شعره ب:” القلب” ومع أن القلب كلمة تقل القارئ أولا إلى الدلالة العاطفية، بيد أنه صدم القارئ بتشبيهه بمنفضة الرماد، مؤكدا هذا مرة بياء المتكلم:” قلبي” وبالأنا التي لا جدال في تسميتها وإشارتها للذات الشاعرة ” قلبي … أنا ” ثم التوجه إلى المخاطبة / الحبيبة :” إن تنبشي ما فيه تحترقي” فالنبش تحت الرماد يفضي إلى الاحتراق، هذا ليس قلبا هينا إذن.
لكن السؤال : ماذا في القلب ؟ الذي يؤدي نبشه إلى الاحتراق؟ هل هي عذابات الحبّ أم عذابات التجربة؟ أم أن النبش فيما ينطوي عليه من رؤى شعرية على الأغلب تفضي إلى هذا الاحتراق؟
حين ينتقل الشاعر إلى البيت الثاني فإنه يعطي لنا مساحة دلالية تضيء هذا النبش، وهذا الاحتراق.
إن ربط القلب بالشعر قد يفضي بنا إلى الانتقال إلى الطرف الدلالي الآخر الذي يهيمن على البيتين وهو:” الشعر” فهل المقصود هنا : الشعر هو منفضة الرماد وهو الذي يجعل من ينبش فيه يحترق؟ ويتألم.
نزار قباني يعطي هذا المعنى حين يقرر:” شعري أنا قلبي” فيمزج بين الدالين: القلب والشعر، ويجعل للشعر حيوية القلب وبالعكس، ويعطي الشعر حياة القلب وشغافه وحشاشته ونبضاته. إنه يترك الحبيبة ليتوجه إلى جميع القراء في صيغة شمولية:” يظلمني من لا يرى قلبي على الورق” . ولنلحظ هنا قيمة الفعل :” يرى” كأن الرؤية هنا ستكون بالقلب، قلبا لقلب ، وحسا بحس ، وكينونة وجدانية بكينونة وجدانية.
وجع الاستهلال:
لماذا استهل نزار قباني بهذا الوجع:
“قلبي كمنفضة الرماد أنا ؟ ”
مؤكدًا هذا التشبيه بياء الملكية، وبضمير المتكلم ؟
إن صدر البيت يحمل قدرًا من الوجع الشفيف، فالتشبيه ليس بقارورة عطر، أو باقة من الزهور، لكنه تشبيه موجع، يحترق فيه القلب، يشبه منفضة الرماد، بل الرماد نفسه. فالعلاقة التشبيهية بين طرفي التشبيه تحفزنا للبحث عن خلفية هذا الحريق، هل هو انكسار الحب والعاطفة؟ وهل هو تكسر النصال على النصال؟ وهل هو وصف لتحمل القلب؟
أتصور أن نزار قباني كان مدفوعا لكتابة هذا التعبير بكل ألم ، ربما ليلفت انتباه القارئ لعذابات القلب، تلك العذابات التي لم يخل منها شعر عربي في مجال الحب، مدفوعا بهذا الألم الكامن في صدور الرومانسيين من الشعراء، وربما في سيرته العائلية بانتحار شقيقته لفشلها في الارتباط بحبيبها.
القلب كمنفضة الرماد، والنبش فيه يفضي للاحتراق ، كما يذكر الشاعر، لكنه وجه الكلام هنا إلى امرأة، ربما هي حبيبة أو عاشقة، وربما لا توجد امرأة بالأصل، بل اعتياد فني يتمثل في أن يتوجه الشاعر بخطابه لأنثى متخيلة، أو ربما بتأويل ليس بعيدا تماما: يتوجه للكلمة أو القصيدة. حضور الآخر هنا هو حضور للأنا، فالضد هنا سيؤكد على حضور معنى العلاقة التشبيهية، وهو من سيقوم بالفعل ببيان أن تحت الرماد جمر وحريق. بحيث يرى من ينبش خلل الرماد وميض جمر، ويرى أن هذا القلب الموجوع ليس قلبا مغمورا بالفرح أو الرقص.
ومن التشبيه الكامل ينتقل نزار قباني في البيت الثاني إلى التشبيه البليغ، حين يمزج ما بين الشعر والقلب، وكما أن القلب ينطوي على حريق في داخله كذلك الشعر، سوف يكون جحيميا ويكون مشابها للقلب، في عذاباته وأوجاعه.
يتشكل البيتان على اليقين من أربعة أشطر، أو من صدرين وعجزين، ومن الأمور الدالة هنا أن الشاعر لا يكمل جملته الشعرية في كل شطر، بل يجعل القارئ مشدودا للشطر الآخر في أفق توقع أو لا توقع، في أفق قد يكون متراتبا من وجهة معنوية أو في أفق قد يكون صادما، نزار قباني فضل الأفق الآخر الصادم ، من حيث مخالفة العجز لما جاء به الصدر من معنى، فالنبش في القلب لا يؤدي إلى نبضات وشغاف وحب، والنبش في الشعر لا يؤدي إلا لهذا القلب المحترق. إن هذه الآلية تجعل الصدر والعجز في البيتين مترابطين بشكل رائع، ولا تحدث قدرا من الخلل الإيقاعي أو الفني أو المعنوي، بحيث يؤدي مثلا إلى انفصال العجز عن الصدر. ثمة خيط فني مشدود بدقة وحنكة ومهارة فيما بين الاثنين.
إن غبطة التصدير ببيتين فيهما من مخايلة الوجع الكثير، والتماهي بين القلب والشعر، قدم حالة من الفرح القارئ لما سينطوي عليه ديوان:” قالت لي السمراء” من قصائد وإشراقات نزارية.
كثافة الصور:
قلبي كمنفضة الرماد أنا .. إن تنبشي ما فيه تحترقي
شعري أنا قلبي ويظلمني .. من لا يرى قلبي على الورقِ
كرر نزار قباني دالة:” قلبي” ثلاث مرات في البيتين، ومع أن تكرار مفردة على هذا النحو في فن لا يعترف إلا بالكثافة والدقة، ويراعي الجدة في احتضان أكبر عدد من المفردات والدوال والتشكيل بها تصويريا، بحيث تنطوي هذه الكثافة على أكبر قدر من الصور، وهذا لا يفعله إلا الخلاقون في الشعر، إلا أن التكرار هنا جاء ليؤكد على أهمية هذه الدالة لدى نزار قباني، وأهمية ارتباطها بالشعر، وقد جاء التكرار رابطًا هذا المعنى الثنائي الذي وهب المترادف تشبيهه، في اتفاق على أن القلب/ الشعر = منفضة الرماد، كلاهما يُنبش، وكلاهما يحرق، وكلاهما يتقمص الآخر :” من لا يرى قلبي على الورق” وذكر الشاعر ” يرى” – كما قلتُ سابقا – تأكيدًا على أن الشعر يُرى، لا يقرأ فقط، والرؤية هنا ليست بالعين القارئة المتصفحة المتابعة بدأب للأبيات الشعرية، ولكن الرؤية هنا بعين القلب كذلك، وهي عيون الإشراق، وعيون العارفين التي ترى أبعد وأعمق وأدق.
وقد اختار الشاعر البحر الكامل للتعبير هنا، هل هي مصادفة؟ أم أنها مقصودة من لدن الشاعر؟ هل يرى الاكتمال الشعري في أن تكون له علاقته القلبية لا الذهنية أو العقلية؟ هل هذا الاكتمال الذي يراه الشاعر حين يكتب القلب يكتب الشعر؟ أتصور أن الإيقاع ، اختيار الإيقاع بالأحرى جزء من عمل الشاعر والشعر معا، وهو اختيار لابد أن يشكل دلالة ما، فالاختيار لا يأتي – على اليقين – عبثًا، لكنه يتأدى بفعل شعري واع، كل بحر له صوته وجرسه وموسيقاه، له دلالته كذلك، وهو ما ينعكس على أداء الشاعر واختيار مفرداته التي تنسرب ما بين العروض والضرب والقافية، وتعدد الجمل الشعرية داخل البيت، فيما يأتي اختيار الشكل النحوي للقافية ضمًّا أم فتحًا، أم كسرًا، أم سكونًا ، دالا على رؤية ما يريد أن يزجيها الشاعر لقارئه، ودالا على قدرة خصبة من لدن الشاعر في اتجاهه صوب القافية، حيث لا تتأدى مثل هذه الأمور سدى، بل إن وراءها جهدًا فنيًّا من أجل الوصول إلى قافية سليمة من ثلاث وجهات:
– الأولى: السلامة الإيقاعية الوزنية والصوتية.
– الثانية: السلامة من عيوب القافية، بعدم التكرار، أو الإيطاء، أو الإسناد – مثلا.
– الثالثة: صحة القافية من الوجهة الصرفية أو النحوية.
– الرابعة: سلاسة القافية وخلوها من المعاظلة والحوشية.
– الخامسة: مواءمة القافية لمعنى البيت، من جهة ولمعنى القصيدة الكلي من جهة ثانية .
ثلاثة آفاق:
– قلبي كمنفضة الرماد أنا .. إن تنبشي ما فيه تحترقي
– شعري أنا قلبي ويظلمني .. من لا يرى قلبي على الورقِ
في الوصول للقافيتين في البيتين استخدم نزار قباني أسلوب الشرط في عجز البيت الأول، فيما استخدم الجار والمجرور في عجز البيت الثاني، وقد أضاء دلالة البيتين في ثلاثة آفاق: الحريق، الظلم، الرؤية. فيما أحاط الشعر والقلب بهذه الآفاق لتكتمل الصورة الجلية المشرقة التي يزجيها الشاعر الذي ربما خمّن بقدر من الرؤيا ما قد يتعرض له شعره من ظلم من لدن النقاد، وهو الأمر الذي بدا واضحًا في التلقي النقدي القليل الذي لا يتواءم مع تجربته الشعرية الكبيرة، لكنه وثق في الرؤية/ الرؤيا، في قارئ يراه أكثر بعيون قلبه وهو ربما ما حدث معه من تفاعل جماهيري كبير على مدى حياته الشعرية.
وقد استهل نزار قباني البيتين بجملتين اسميتين كالتالي:
– الجملة الأولى: قلبي كمنفضة الرماد
– الجملة الثانية: شعري أنا قلبي
البدء بالتسمية هو بدء يعطي معنى الثبات، ومعنى التأكيد على يقين ما، وفي البيتين كما يهبنا نزار قباني يقين الاختيار: اختيار الشعر- القلب أو : القلب- الشعر، وهو ما يؤكده نزار قباني في الكلمتين الأوليين في البيتين: الكلمة الأولى:” قلبي” والكلمة الثانية ” شعري” ثم ينطلق في تفتيح المجال لهما ليتعانقا ويمتزجا معا على الورق.
في البيت الأول علاقة بين ( الأنا) والحبيبة، وفي البيت الثاني علاقة بين ( الأنا) والقارئ العام. وهو الفضاء الذي سار عليه نزار قباني في رؤيته الشعرية من ديوانه الأول حتى ديوانه الأخير، حيث توجه بشعره وجهتين: الأولى باتجاه المرأة بمختلف صورها وقضاياها، والثانية باتجاه الواقع وقضاياه خاصة الواقع السياسي، وإشكاليات القارئ العام والهم العام ، من وجهة مضمونية .
لقد مثل بيتا المدخل في ديوان:” قالت لي السمراء” فاتحة دلالية جلية تقفنا بشكل يقيني على ما يصبو الشاعر إليه من حض على الرؤية/ الرؤيا، ومن قراءة شعره قراءة مختلفة بما ينطوي عليه من جماليات، واختياره الفضاء الأكثر أناقة في التعبير الشعري، والأكثر إحكاما كذلك، وهو ما ستوضحه القراءة الشفيفة في قصائد الديوان التالية.
—
( من كتاب يصدر قريبا عن نزار قباني)
الخبر الثقافي موقع يهتم بكافة النواحي الثقاقية بمختلف مجالاتها وتغطية الأخبار الفنية .