أخبار عاجلة

عبدالله السمطي يكتب: عن المعركة الجمالية التي تدور داخل البيت الشعري

في إبداع البيت الشعري، في القصيدة العربية، لا يتحرك الشاعر بعفوية في صياغة الحروف والكلمات والجمل داخل البيت، لكنه يكتب بإتقان، ويتخيل بدقة، ويربط ما بين الكلمات في البيت الشعري ربطا سياقيا أو دلاليا أو تشكيليا، ليخرج البيت في صيغته التعبيرية المغايرة المقبولة التي تصل إلى المتلقي من أقصر طريق.
في شعر ما قبل الإسلام، كانت تلقائية الشاعر العربي القديم معبرة عن واقع الحياة العربية، عن تحضّر صحراوي – إذا جاز التعبير ، في رسم علاقات الكلام وصياغته. لم يكن الشعر قرين البداوة بل قرين التحضر الذهني والتخييلي والجمالي، فهو قمة التعبير باللغة والكلام، وليس مجرد كلمات تداولية عابرة، وكانت مسافات التلقي ما بين الشاعر المبدع والمتلقي بسيطة، فالشعر جلي ومفهوم وواضح، حتى شعرالصعاليك الصعب كلامية العرب للشنفرى كانت تصل المتلقي بيسر وسهولة، لأن اللغة واحدة، والكلام المتداول موحد ، على الرغم من اختلاف بعض اللهجات الفصيحة في ربوع الجزيرة العربية.
وكان الشعر بتلقائيته يخفي في عمقه ضروبا من التحكيك الجمالي، وتحريك المفردات، وغير مسموح بالخطأ إلا إذا كان غير مقصود ، كإقواء النابغة الذبياني الشهير في : ” الغراب الأسود” .
في البيت الأول من معلقة امرئ القيس:
قفا نبكِ من ذكرى حبيب ومنزل .. بسقط اللوى بين الدخول فحوملِ
تتبدى حركة الكلمات في سياقها الدلالي الطبيعي ، بالتحديد المكاني للأطلال وتتابع ذلك في البيت الثاني ، بشكل تبريري جلي.
من أول البيت إلى آخره، لكن البراعة التعبيرية والتشكيلية والجمالية تتجلى في احتفاظ الشاعر بركن ما في مخيلته المنشدة، للقافية ولحرف الرويّ، فهو حين ينشد الشعر بشكل شفاهي، أو يكتبه، يفكّر بمساحة ما واعية في كيفية الوصول إلى القافية السليمة، الصحيحة، القوية، المنتظمة، الفعالة، الخالية من الإقواء، ومن الإيطاء، ومن عيوب القوافي والرويّ الأخرى. هي حالة جمالية ذهنية أشبه بمعركة جمالية داخل البيت، من أوله إلى آخره، وقد تأتي بشكل تلقائي عفوي، حين يكون الشاعر متمرسا عالما بالشعر، كل شيء عنده عفوي لأن موهبته الشعرية كبيرة وخلاقة ، وهنا يكتب قصيدته بانسيابية مدهشة.
يظل الشاعر محافظا على القافية والروي الموحد من أول القصيدة لآخرها، وبذلك يأتي بيته الشعري كبنية جمالية مستقلة من جهة، ومتواترة في سياق كلي من جهة ثانية.
في البيت المركب.:

مكر مفر مقبل معا .. كجلمود سيل حطه السيل من علِ

دخل الشاعر امرؤ القيس إلى بيته من مجال: السرعة، من أول كلمة، ( مكرّ) وبدأ بالهجوم والكرّ لا الدفاع والفرّ، الكلمة الأولى قادته إلى الثانية، والثالثة قادته إلى الرابعة، وبصيغ متقاربة في تفعيلاتها، كأنه يعبر عن سرعة متراتبة، وبعض النقاد حوّل هذا الشطر الأول إلى حالة أسطورية ، إذ رأى أن حصان امرئ القيس هو حصان أسطوري لأنه يكر ويفر ويقبل ويدبر معا، في وقت واحد، وهذا كان رأي أحد أساتذتي بالجامعة، وكان رأيي أنه لا يقوم بذلك في وقت واحد، بل بشكل متراتب، وأن (معا) هنا تعني أنه قادر على القيام بالفعلين معا: الكر ثم الفر، والإقبال ثم الإدبار.
سرعة الحصان قادت امرأ القيس إلى تشبيه حصانه بالصخر الذي يدفعه السيل من أعلى. وهي سرعة خارقة بالتأكيد ، وجاءت القافية كما يهوى تماما مخلصا نهاية البيت بشكل تشبيهي تصويري مبدع، وهكذا في مختلف قوافي المعلقة.

بيد أن هناك حالات ينجو فيها الشاعر من هذه المعركة الجمالية حين يتحول البيت الشعري إلى مجرد رصد حالة، تشبه حالات النثر، رغم أن التعبير الشعري موزون ومقفى، كقول أبي الطيب المتنبي:

الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني .. والسيف والرمح والقرطاس والقلمُ

البيت لا جهد فيه، هو مجرد رصد، وتستطيع أن تبدل كلماته حسبما تشاء، وهو بيت قاله عنترة العبسي من قبل.
لكن حين يقول المتنبي:

فكأنها نتجتْ قيامًا تحتهم
وكأنهم ولدوا على صهواتها

وهو استلهام لقول مأثور ، ربما عن عمر بن الخطاب، هنا يصاغ البيت بشكل مركب، ويفضي إلى ضرورة تأمله وقراءة دلالاته بحكمة منهجية.