أخبار عاجلة

الكاتب محمد العباسي: إميل عامر يندس في “خلايا الأيام”

كتابة إميل عامر تمرين على فقدٍ واعٍ. يتكوّن فيها المعنى، وينهار في الآن نفسه. حيث تنهض مجموعته الشعرية (في خلايا الأيام) على كتابة نابعة من توتر داخلي حاد بين الرغبة في التذكّر والخوف من الفقد، بين محاولة الإمساك بالمعنى والوعي الدائم بانفلاته. ومنذ العتبة الأولى، أي الإهداء، يدخل القارئ إلى فضاء شعري لا يتعامل مع القصيدة كحدث جمالي معزول، وإنما كامتداد مباشر للحياة بكل ما فيها من كسر، وانقطاع، وتحوّلات قاسية. بمعنى أنه يُقرأ – أي الإهداء – كبيان شعري وأخلاقي يحدد موقع الشاعر من العالم، ومن ذاته، ومن الكتابة نفسها. حيث الشعر محاولة لملمة، لا ادعاء اكتمال.

تتقدم المجموعة عبر نصوص متجاورة لا تخضع لمنطق السرد الخطي أو التطور الموضوعي التقليدي. فالمقاطع تتجاور كما تتجاور الذكريات في الذهن، بلا ترتيب زمني صارم، وبلا رغبة في إنتاج حكاية مكتملة. وهذا التفكك البنيوي يعكس طبيعة التجربة التي يكتب عنها ومنها الشاعر، حيث الزمن ذاته مكسور، والأيام تتحول إلى وحدات منفصلة، أو خلايا، لكل واحدة جرحها الخاص. أما العنوان فيعمل كدلالة رمزية، وأيضا كخريطة قراءة، إذ يقترح على القارئ أن يتعامل مع النصوص باعتبارها لحظات مكثفة من الوعي، لا حلقات في سلسلة متصلة.

الوعي يحتل موقعًا مركزيًا في هذا العمل، لكنه وعي مثقل، مرهق، يقترب من حدوده القصوى. ففي كثير من المقاطع، يظهر الوعي كحالة مراقبة دائمة للتلاشي، لا كوسيلة فهم أو خلاص. فالمرأة، والصدى، والدماغ، كلها مفردات تتكرر لتشكّل شبكة دلالية تحيل إلى هذا الإدراك المؤلم. وفي نص حوار مع الصدى، يقف الشاعر أمام صورته حتى تختفي، وتصبح المرأة شاهدة على الغياب بدل الحضور. وهذا المشهد يختزل علاقة الذات بنفسها داخل المجموعة. حيث المواجهة الطويلة التي تنتهي بالفراغ.

الجسد يتحول في هذه النصوص إلى مساحة تداخل بين الشخصي والكوني. إذ يظهر الجسد كخريطة مفتوحة تتقاطع فيها الشرايين مع الشوارع، والدم مع الزمن، والرأس مع المدينة، وليس ككيان مغلق. وفي مشاهد الحرب، يتعرض الجسد للتشظي، ويصير حاملًا لآثار العنف الجمعي. ففي صورة النهار الخارج من جسد وليدة، وهو يحمل مئات النهارات التي لم ينجُ منها سوى واحد، يتكثّف هذا التصوير ببلاغة عالية. والحياة نفسها تخرج جريحة، والضوء يصبح أثرًا مهددًا بالانطفاء.

الحرب في الديوان تحضر عبر تفاصيل يومية صامتة، لا عبر خطاب مباشر أو إدانة صريحة. كذلك الأشياء تتكلم بدل البشر: دمية بلا أطراف، حذاء يبحث عن قدمين مقطوعتين، ملعب كرة قدم يحاول إقناع نفسه بأن القنبلة كرة. هذه الاستراتيجية الجمالية تمنح النص قوة مضاعفة، لأنها تضع القارئ أمام فداحة العنف دون وساطة خطابية. حيث لا يشرح المشهد، ولا يعلّق، وإنما يكتفي بالعرض، تاركًا للفراغ أن يؤدي وظيفته الأخلاقية.

الأبوة تشكل أحد أكثر محاور الديوان حساسية وصدقًا. فالعلاقة مع الأبناء تُكتب من موقع الغياب، لا من موقع الحضور المستقر. الأب يلاحق صوت ابنه في دهاليز الصدى، ويحاول حفظ ما تبقى منه في قارورة صغيرة، كما لو كان يخشى انقراض الصوت ذاته. وهذا الفعل الشعري يحوّل الأبوة إلى علاقة ذاكرة، لا علاقة سلطة. ففي نص الابنة، يتحول الحلم إلى مساحة فراق، حيث تدخل الطفلة حلمًا آخر لا يصل إليه الأب. ولذلك يُكتب الألم بهدوء شديد، دون استدرار عاطفي، مما يمنحه كثافة إنسانية عالية.

الموسيقى تشكل فضاءً داخليًا متكررًا في الديوان، وتظهر كوسيط جمالي ومعرفي في آن. حيت النغمة، والمقام، والآلة الموسيقية، كلها تتحول إلى أدوات لفهم العالم حين تضيق اللغة. والشاعر بهذه الأدائية لا يكتب عن الموسيقى من الخارج، وإنما يتحرك داخلها، ويتعامل معها كإيقاع للتفكير والشعور. أما محاولة “تهذيب العدم” داخل أوتار الكمان فتشير إلى رغبة عميقة في تنظيم الفوضى الداخلية، ولو مؤقتًا. لأن الموسيقى هنا تمنح النص بنية إيقاعية خفية، حتى في المقاطع التي تبدو سردية أو تأملية.

المدن التي تمر عبر الديوان لا تؤدي وظيفة مكانية بحتة، وإنما تتحول إلى حالات شعورية. بغداد تحضر كذاكرة مؤسسة، غرناطة كأثر حضاري مهدد، ملبورن كحضور حميمي مكثف، باريس كساحة فقد، وسيدني كفضاء رأسمالي بارد. حيث تختصر المدينة في لحظة، أو في شخص، أو في إحساس. أما الزمن داخل المدينة فيتشوه، ويتوقف أحيانًا عند ساعة واحدة، كما في نص ملبورن. حيث يظهر المنفى يظهر كاختلال في الإحساس بالزمن، لا كرحلة جغرافية فقط.

لغة الديوان تقوم على كثافة عالية في الصورة والاستعارة. فالصور تتراكم، وتتداخل، وتنتقل من الجسد إلى الكون، ومن اليومي إلى الأسطوري، دون فواصل واضحة. وهذه الكثافة تمنح النص طاقة شعرية قوية، لكنها تتطلب قارئًا يقظًا، مستعدًا للمشاركة في إنتاج المعنى. ففي بعض المقاطع، يقترب النص من حافة التخمة التصويرية، حيث تتوالد الصور بسرعة، وتكاد تحجب أثر الصمت. إلا أن هذا الخيار الأسلوبي يبدو منسجمًا مع طبيعة التجربة المكتوبة، حيث الوعي نفسه مثقل بما يفوق طاقته.

من الناحية الأسلوبية، يعتمد الشاعر على الجملة الشعرية الطويلة، المتدفقة، التي تتحرك عبر مستويات متعددة من الصورة والدلالة. وعلامات الترقيم تُستخدم بحذر، الأمر الذي يفتح المجال لتعدد القراءات الإيقاعية داخل النص. حيث يهيمن الفعل المضارع على كثير من المقاطع، مانحًا النص إحساسًا بالاستمرار، وكأن الألم والذاكرة يحدثان الآن، لا في زمن منقضٍ. كذلك التكرار يظهر كأداة إيقاعية ودلالية، خصوصًا في مفردات مثل الصدى، الحلم، الضوء، العتمة، الصوت.

والملاحظ أيضًا أن الشاعر يمزج بين مستويات لغوية مختلفة دون افتعال. حيث تتحاور اللغة العالية مع مفردات يومية، وأسماء أماكن، ومصطلحات موسيقية، وإشارات معاصرة مثل الفيسبوك، دون أن يفقد النص تماسكه. وهذا المزج يعكس رؤية ترى الشعر ممتدًا في الحياة اليومية، لا منفصلًا عنها. حتى التقنية الحديثة تدخل النص كجزء من تجربة الفقد، حيث تتحول الرسائل الإلكترونية إلى محاولة تواصل مع الغياب.

وهكذا تكتسب مجموعة (في خلايا الأيام) أهميتها من رفضها للبلاغة السهلة للفقد، ومن مقاومتها لتحويل الألم إلى مادة جمالية مستهلكة. فهي لا تكتب الحرب بوصفها حدثًا، ولا المنفى كحكاية، ولا الأبوة كيقين، بل كحالات انكسار متداخلة يصعب فصلها أو ترتيبها. وبهذا، تنجح المجموعة في مساءلة أحد أكثر الأنماط شيوعًا في الشعر المعاصر: تحويل المعاناة إلى خطاب. وهنا، أثر ولا خطاب ولا رسالة وبقايا تجربة تُكتب لأنها لم تُحلّ.