تعد دور النشر حجر الأساس في مسيرة التثقيف والنشر، وهي المحرك الرئيسي لثراء الحركة الفكرية والنهوض بالمعرفة في المجتمعات. إلا أن واقع دور النشر الحالي يكشف عن عيوب منظومة النشر التي أصبحت تعوق مسيرة التثقيف بدلاً من دعمها، خاصة بعد التعديلات الأخيرة والرسوم التي فرضتها الدولة على دور النشر، والتي انعكست مطالب كثيرة مجهدة ومكلفة على الكتاب والأدباء والشعراء.
أولاً: عيوب منظومة النشر والتعديلات الأخيرة المرهقة
شهدت السنوات الثلاث الماضية تعديلات مجهدة ومكلفة نتيجة للرسوم والالتزامات التي فرضتها الدولة على دور النشر، مما دفع هذه الدور لتمرير العبء إلى الكتاب والأدباء والشعراء، وأثر سلباً على الحركة الفكرية. وتتمثل أبرز عيوب منظومة النشر الناتجة عن هذه التعديلات فيما يلي:
1- المطالب المالية المجهدة: بسبب الرسوم الحكومية المفروضة على التراخيص والطباعة والتوزيع، أصبحت نسبة 68 بالمئة من دور النشر الخاصة تشترط دفع الكاتب لتكاليف الطباعة كاملة، والتي تتراوح بين 15,000 إلى 40,000 جنيه للكتاب الواحد بطبعة 500 نسخة، وفقاً لتقرير اتحاد الناشرين المصريين الصادر عام 2024. هذه الرسوم من الدولة على دور النشر تعد من أبرز البنود الرسمية الصادرة التي تعوق مسيرة التثقيف، حيث يستبعد الكتاب الشباب والشعراء محدودي الدخل.
2- تعديلات المحتوى القسرية: لتجنب الرسوم الإضافية على المصنفات أو رفض الرقم الدولي، فرضت نسبة 42 بالمئة من دور النشر تعديلات على المحتوى شملت حذف فصول كاملة أو تغيير النهايات أو تبسيط اللغة الأدبية. هذه التعديلات التي اضطرت إليها دور النشر بسبب البنود الرسمية الصادرة تفرغ العمل من قيمته الفكرية وتضعف دوره في النهوض بالمعرفة.
3- بنود التعاقد المجحفة: من البنود الرسمية الصادرة مؤخراً والمتعلقة برسوم الدولة على دور النشر، لجأت الدور إلى بند احتكار حقوق النشر لمدة 10 سنوات مع حصول الكاتب على 8 بالمئة فقط من الأرباح، وبند إلزام الكاتب بشراء 100 نسخة كشرط للنشر، لتغطية التكاليف المفروضة عليها. هذه المطالب الكثيرة المكلفة حولت العلاقة من شراكة ثقافية إلى علاقة تجارية بحتة.
4- إهمال التدقيق والتحرير: نتيجة لضغط خفض التكاليف بعد الرسوم المفروضة من الدولة على دور النشر، تراجعت نسبة 55 بالمئة من الدور عن تعيين مدققين لغويين ومحررين أدبيين محترفين، مما أدى لخروج أعمال بها أخطاء لغوية ومطبعية، وهو ما يسيء لدور هذه الدور لحمل لواء الثقافة والتنوير.
ثانياً: أثر التعديلات على مسيرة التثقيف والنشر
إن هذه التعديلات المجهدة والمكلفة التي نتجت عن الرسوم التي فرضتها الدولة على دور النشر أدت إلى نتائج مباشرة تعوق مسيرة التثقيف:
– تراجع عدد الإصدارات الأدبية الجادة بنسبة 31 بالمئة خلال عامي 2023 و2024 مقارنة بعام 2021، حسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
– عزوف نسبة 63 بالمئة من الشعراء الجدد عن النشر الورقي والاتجاه للنشر الإلكتروني المجاني، مما يفقد المكتبة العربية توثيقاً مهماً للنتاج الإبداعي.
– تحول النشر إلى نشر بمقابل أفقد دور النشر دورها الرقابي والانتقائي، فأصبح المعيار هو القدرة المالية وليس القيمة الفكرية.
ثالثاً: دور النشر بين التأثير والهامشية.. بالأرقام
يبلغ عدد دور النشر المسجلة في اتحاد الناشرين المصريين 412 دار نشر حتى الربع الأول من عام 2026. وينقسم هذا العدد إلى:
1- دور النشر المؤثرة: يقدر عددها بـ 47 دار نشر فقط، أي ما يعادل 11.4 بالمئة من الإجمالي. وهي الدور التي تمتلك خطة نشر سنوية واضحة، ولجان قراءة متخصصة، وتشارك في 5 معارض دولية سنوياً على الأقل، وتوزع إصداراتها في 8 دول عربية. هذه الدور هي التي ما زالت قادرة على حمل لواء الثقافة والتنوير بفاعلية رغم الرسوم المفروضة عليها.
2- دور النشر غير المؤثرة: يبلغ عددها 365 دار نشر بنسبة 88.6 بالمئة. وهي دور موسمية أو فردية، تعتمد على تمويل الكاتب لتغطية الرسوم والتكاليف، ولا تمتلك منافذ توزيع، ولا تتجاوز إصداراتها 10 كتب سنوياً. أثرها محدود في ثراء الحركة الفكرية.
رابعاً: الدور الفعال لدور النشر في النهوض بالمعرفة
رغم عيوب منظومة النشر الحالية، يظل دورها فعالاً ومهماً ولا يمكن الاستغناء عنه لثراء الحركة الفكرية والنهوض بالمعرفة، ويتمثل هذا الدور في:
1- حمل لواء الثقافة والتنوير: دور النشر المؤثرة هي خط الدفاع الأول ضد التجهيل، عبر اختيار الأعمال التي تطرح أسئلة جديدة وتقدم معرفة أصيلة للكتاب والأدباء والشعراء.
2- صناعة الكاتب: تتولى دور النشر الجادة مهمة اكتشاف المواهب وتوجيهها وتحرير نصوصها، وهو دور لا يمكن للنشر الرقمي الفردي أن يعوضه في مسيرة التثقيف والنشر.
3- التوثيق والأرشفة: الكتاب الورقي الصادر عن دار نشر معتمدة هو وثيقة تاريخية تضاف للمكتبات، وتضمن استمرار المعرفة للأجيال القادمة، وهذا جوهر النهوض بالمعرفة.
4- تحريك سوق العمل الثقافي: تشغل دور النشر المؤثرة ما يزيد على 12,000 وظيفة مباشرة وغير مباشرة تشمل المحررين والمدققين والمصممين والموزعين، حسب تقديرات غرفة صناعة الطباعة عام 2025
خاتمة: نحو منظومة نشر تعوق أقل وتنير أكثر
إن معالجة عيوب منظومة النشر وإعادة النظر في التعديلات الأخيرة المجهدة والمكلفة والرسوم التي فرضتها الدولة على دور النشر أصبح ضرورة ملحة. لا يمكن لدور النشر أن تواصل حمل لواء الثقافة والتنوير وهي مثقلة بمطالب كثيرة مجهدة ومكلفة وعدم التقييد وعرقلتها ببنود وأوراق رسمية ورسوم تعوق مسيرة التثقيف والنشر. المطلوب مراجعة البنود الرسمية الصادرة المتعلقة برسوم الدولة، مع التشجيع على دور النشر التي هدفها الأول إثراء الناحية الثقافية ومساعدة الكتاب والأدباء والشعراء بعمل مسابقات وخلافه لاكتشاف دم جديد للكتابة وتسهل عليهم طبع دواوينهم، والتي تضع ربحها المادي بعد الأهمية الأولى وهي نشر الروح الإبداعية المستحقة للقارئ، كي يبقى دورها فعالاً ومهماً لثراء الحركة الفكرية والنهوض بالمعرفة..
نجلاء فتحي عزب
• شاعرة وكاتبة مصرية
الخبر الثقافي موقع يهتم بكافة النواحي الثقاقية بمختلف مجالاتها وتغطية الأخبار الفنية .