
عبدالله السمطي:

(1)
ماذا لو قرأنا ديوان : ( رجل غابر في أرشيف الموت) للشاعر أحمد عبدالعزيز الصادر في طبعته الأولى 2026م عن الهيئة المصرية العامة للكتاب على أنه مجموعة قصصية، أو مجموعة من القصص القصيرة جدا ؟
إنّ قصدية القراءة هنا هي التي ستوجه رؤانا المبدئية في قراءة النصوص وتأملها ومعايشتها في مجال النوع الأدبي؟ وهذه القصدية هي التي ستحفزنا على النهوض بتلقٍّ آخر للنصوص، فكلمة : ( شعر) المكتوبة على غلاف الديوان وتتوسط ما بين عنوان الديوان واسم الشاعر، من المؤكد أنها تحفزنا على قراءة النصوص قراءة شعرية، حسب التسمية، وحسب النوع، وهنا سنتعامل مع النصوص النثرية على أنها نصوص شعرية، ونطوي الإحالة إلى القصص أو الحكي أو السرد طيّا نثريًّا، ونفتحه كأداة تقنية تستخدم في مجال الشعر.
على اليقين لم أسأل هذا السؤال إلا لوجود حالة نثرية وسردية بالنصوص، وهذه الحالة متحققة بشكل جلي في حركة الكتابة، وطريقة صنع السياقات الأسلوبية والجمالية، ومتحققة في صياغة الجمل الشعرية داخل النصوص وأيضا في الأبنية الشعرية، فهي حالة أقرب إلى السرد والحكي والتفاصيل منها إلى : التكثيف المعمّق والتصوير المكتنز بالدلالات، وبقيم البلاغة العصرية التي تفارق البلاغة القديمة، لتنتج وعيًا شعريًّا جديدا مترعا بالكثافة والعمق والتجديد الذي يفضي إلى تأويل آخر وإلى كتابة داخل الكتابة ولغة خلال لغة.
على أن الشاعر الراهن الذي يمسك بمفاتيح قصيدة النثر ربما لا يكون مطالبا بذلك كله، فهو يكتب قصيدته الراهنة التي تعبر عن أناه وعن ذاته الجدلية وعن رؤاه للعالم والواقع صغيرا كان أم كبيرا، محايدا وبسيطا أم مترعا بالحكمة والفلسفة.
(2)
يتضمن ديوان : ( رجل غابر في أرشيف الموت) الواقع في (124) صفحة ، بحسب الفهرس ( 37) نصا، يضاف إليهم النص الأول الذي لم يُعنون، لكن الشاعر يصدر به الديوان كنص إهدائيّ ، وهو نصّ يتشكل من خمسة مقاطع، يعبر فيها الشاعر عن تفاصيله الذاتية الكامنة. إنّ ثمة وهجًا وحيوية في جمله الشعرية، منذ البدء نحن حيال شاعر مختلف، يكتب بتدفق وانسيابية وجرأة، لا يعوقه اختيار المفردات أو انتقاؤها، فخطابه الشعري البسيط / العميق معا، خطاب مفتوح على معجمية الواقع لا معجمية بلاغة الشعر ونخبويتها بالضروة.
في المقطع الأول يقول:
بعد يوم طويل
تساقطت أشلائي كالمطر
وبكيتُ بحرقة لأن عقلي بنى حياته على أشخاص قصوا أجنحته.
وجلستُ وحدي في الشرفة أدخن وأستمع إلى رسالة صوتية
من فتاة يعنفها زوجها على طبخها الماسخ
ونمتُ في نهاية المطاف
بعد ساعة واحدة استيقظتُ
بداخلي قبر مظلم
وجنة دُمّرت بفعل المشككين في حياتي.
على اليقين حين نقرأ هذا المقطع الذي يستهل به الشاعر نصه الإهدائي، ندرك أن الجملة الشعرية تتحرك بانسيابية ملفتة، كما أنها تثير أسئلة كثيرة تتعلق بالمعجمية الشعرية، وبالمزج بين الشعري والسردي، لكنها تبقي على روح التضاد والمفارقة ما بين النوم والاستيقاظ وما بين القبر والجنة، وهي تضادات تتحرك في كوامن الذات نفسها.
ربما ينقل الشاعر هنا الحالة الشعرية الراصدة من الخارج ( الواقع، وتفاصيل الحياة اليومية) إلى الداخل حيث التأمل في مكامن الذات وبواطنها، وهذه الانتقالة ستفضي في نهاية الأمر إلى تلبس حالة وجدانية عصرية تفارق الحالة الرومانسية المعهودة سابقا في الشعر العربي المعاصر.
وإذا تقابلنا بنية النفي:
لم ألحظ الزفاف الذي كان تحت بيتي
لم أكترث لصوت الشياطين التي تقدسني
لم أعد أبالي بنعيم الوحدة
لم أحس بالشبع بعد تناول وجبة عائلية
كان كل همي فقط
كيف أخرج من تلك الغرفة
وفي صدري طعنة
وفي يدي قطة
وفي عقلي خريطة للجنة.
مع هذه البنية ثمة تأكيد لحضور الأنا وتثبيت خياراتها ما بين المكان الصغير (الغرفة) والمكان المطلق ( خريطة الجنة) وهي خيارات تبث في مختلف نصوص الديوان ، وهي خيارات تتشح بالمتضاد والمفارق والمتناقض،كما يعبر الشاعر : ” حياتي بركان من التناقضات، تنفجر في وجه من يشاهد نمط حياتي” / ص 12
يكتب أحمد عبدالعزيز في واقعية شعرية شديدة التماس مع المفردة اليومية التي قد تعبر عن أناه الداخلية وتشوفاته، أو تعبر عن الواقع الراهن بلغته التداولية، وهو ما نراه في نصوص كثيرة بالديوان، مثل: صراع خافت، ورجل غابر في أرشيف الموت ، غابة لا تشبهني، عقاب مؤجل وغيرها من النصوص.
وبالتبصر في أداء الشاعر في نصوصه ، قد تخرج النصوص من حالة الشعرية لتصبح مجرد سرد توصيفي، أو نثر فني محض، قد يخرج عن الهوية التقنية والجمالية لقصيدة النثر عبر تمرحلاتها الفنية المتعددة.
لقد أصبح لدينا تراكم عصري كبير من قصيدة النثر بتحولاتها الجمالية المختلفة، وتنقلها ما بين مصطلحات ومفاهيم كثيرة، بيد أن هذا يجعل التماسك التجريبي والفني للقصيدة مطلوبا على الدوام، بحيث لا تخرج عن قيمها الفنية النموذجية لأن الشعر ، بكل مفاهيمه وتحولاته وانقلاباته، يظل مجذوبًا – في التحليل الأخير – إلى لغة معينة لها هويتها التقنية والإبداعية التي تختلف عن استخدام اللغة في أنواع أدبية أخرى.
(3)
توجد بعض الأخطاء اللغوية بالديوان، وفي يقيني أن الشاعر لابد أن يتمكن من لغته تماما، لأن الشاعر لغة، وهو سادنها وحكيمها ومروضها، ومن أمثلة هذه الأخطاء:
( ص 90 : من يديه المبتورة: من يديه المبتورتين/ ص 95 : فقط أرحْ قدميك المشققة: المشققتين/ ص 97 وجد نفسه ملهى ليلي : ليليًّا / ص 100 : لأن لديّ قميص أزرق : قميصًا أزرقَ / ص 101: هل تحبيني: تحبينني/ ص 111: الظباط: الضباط/ ص 118:عينان تبرز الخوف: تبرزان )
وفي التكوين الشعري لنصوص الديوان هناك توظيف كبير للسرد، أو للأداء السردي للشعر، وإذا كان السرد الشعري قديما كان يميل صوب البلاغة الشعرية، والسياقات التي تهبه لغة شعرية نخبوية، إلا أنه في قصيدة النثر صار شفافا جدا، وأصبح يتساوى مع السرد الذي نقرأه بالقصص والروايات ، لغة محايدة تنقل الحدث أو تصفه، وهذا هو ما جعلني أطرح سؤال النوعية هنا، لأن الشعر ، في تصوري لابد أن يحتفظ بمفاتيحه البلاغية المتجددة، دعنا من البلاغة القديمة المعهودة بنمطها الثلاثي: البيان والمعاني والبديع، فعلينا ابتكار بلاغاتنا الجديدة في كل عصر وتعميقها، حتى يبدي الشاعر تميزه واختلافه الرائي العميق عن بقية كتاب الأنواع الأدبية الأخرى، فصورة الشعر ترتبط بصورة الشاعر، وصورة القصيدة وتأثيرها ترتبط بالعمق اللغوي الذي يبطن أعماقا لغوية وتصويرية كثيرة وكثيفة معا.
الخبر الثقافي موقع يهتم بكافة النواحي الثقاقية بمختلف مجالاتها وتغطية الأخبار الفنية .