النثر والشعر :لغة موحدة وخطاب متعدد
—
عبدالله السمطي
لا يوجدُ شيءٌ اسمه : (شعر) وشيء اسمه : (نثر)
بل توجد : ( لغة)
هذه اللغة المكونة من كلمات وعبارات وخطاب مفهوم، ومعجم ، يتم توظيفها أو استثمارها عبر آليات فنية محددة، فتتحول إلى عمل إبداعي، يتجلى في الشعر أو القصة أو الرواية أو المسرح أو المقالة أو بقية أشكال الكتابة والأنواع الأدبية ، كما أنه يتم تداولها على المستوى الشفاهي والتواصل الاجتماعي.
هنا نحن لسنا أمام (شعر) و(نثر) بل أمام خطابات وأنواع أدبية ، وأنواع من الكلام والتخاطب .
وهذه التفرقة العتيقة ما بين (الشعر) و(النثر) التي شغلتْ كل علماء اللغة والبيان والبلاغة القدامى، ومازالت تشغل المحدثين منهم، هي تفرقة لم تعد سديدة ولا مائزة في عالم اليوم الذي اقتربت فيه الأنواع الأدبية وتداخلت تماما، بحيث أصبحت تكملُ بعضها البعض في وحدة إبداعية فنية، من البديهي أن تفضي إلى وحدة (اللغة) التي لم تعد منذورة لفن كتابي معين، أو حتى لفن شفاهي، فلا توجد كلمات خاصة بالقصيدة، ولا كلمات خاصة بالقصة أو الرواية، بل هي هي نفسها الكلمات يمكن توظيفها هنا ويمكن استثمارها هناك، ويبقى المعجم اللغوي هو الفضاء / الينبوع الذي تُستلُّ منه عناصر الإبداع الأدبي.
إن المعول النوعي هو الذي يبقى راسخا ومتجذرا في هذه الرؤية، بمعنى أن اللغة تذهب حينا إلى آليات الشعر فتتشعرن بالتشبيه والاستعارة والكناية والمجاز وعناصر البلاغة الموروثة، كما تتشعرن بآليات الحكاية والسرد من شخصيات وأزمنة وأمكنة وفكرة، وحكاية، ومفارقة، وحوار ووصف، ومونتاج وسيناريو … إلخ
كل هذه العناصر أصبحت اليوم موحدة، ولا تفرقة بينها في أي أدب مكتوب، لكن طاقة توظيفها، وكثرة إيرادها هي التي تسمي هذه قصيدة وهذه قصة وهذه رواية.
هنا نحن حيال:
1- لغة موحدة
2- بلاغة موحدة
3- خطاب متعدد
مغزى ذلك، أنه يتسنى لنا أن نستثمر آليات السرد والنثر في كتابة قصيدة، وبالعكس يمكن لنا أن نستخدم آليات الشعر وتقنياته في كتابة قصة أو رواية قصيرة أو أي نوع أدبي آخر. لا أقول هنا بأن هذه الوحدة ستكون وحدة إجبارية ملزمة هنا، فما يزال الشعراء يبتكرون ويتقدمون بفضاءات تجريبية جديدة للشعر والقصيدة، وما يزال الروائيون يستكشفون، والقاصون يركزون أكثر من تدفقات الكتابة، خاصة في القصة القصيرة جدا، التي اقتربت من عالم الشعر وفضاءاته.
أعني أن الآليات الإبداعية أصبحت ممتزجة، ومفتوحة على بعضها البعض، وأن الانقسام الحاد الذي صنعته البلاغة العربية ما بين الشعر والنثر لم يعد موجودا اليوم، حيث أصبحت البلاغة موحدة ويمكن ، في المستقبل القريب، أن نضع معجما بلاغيا يضم مختلف أنواع البلاغة اللغوية، بلاغة الفصحى من دون تفرقة، بيد أن هذه الوحدة قد تفضي بنا إلى وجود أنواع أدبية خلاسية مختلطة وممتزجة، وقد تؤدي إلى ابتكارات شعرية جديدة تمزج بين السرد والنثر والشعر ، وهذا كله في صالح فضاءات لغتنا العربية الجميلة.
الخبر الثقافي موقع يهتم بكافة النواحي الثقاقية بمختلف مجالاتها وتغطية الأخبار الفنية .