أخبار عاجلة

عبدالله السمطي يكتب: نحو يوم وطني لشعر العامية المصرية

يشكّلُ شعرُ العاميّةِ المصريّة فضاءً إبداعيًّا رحبًا يتّسعُ لمنظومةٍ متكثّرة من الأشكالِ الشعريّةِ، والخطاباتِ الإبداعيّةِ المتعددةِ المستويات واللغاتِ الشعريّة، تبعا للهجاتِ الكثيرة التي ينطق بها المصريون في مختلف المحافظات المصرية، وهذا التعدد يمنح اللغة الشعرية مجالاتٍ خصبةً للتنوع التعبيريّ والأسلوبيّ والفنيّ والتصويريّ والتخييليّ والمجازي.

ولأنّ التاريخ المصريّ الحضاريّ تاريخ عريق، متنوع العصور، متعدد الثقافات، بدءًا من الثقافة الفرعونية حتى اليوم، واستنادا إلى موقع مصر الجغرافيّ الذي أفضى إلى التقاط ثقافات البحر المتوسط الإغريقية والفينيقية، فضلا على التفاعل الحضاريّ مع الثقافة البابلية والسريانية والآشورية ومن بعدها الثقافة الأوروبية ثم العربية والإسلامية، كل هذه الثقافات تبلورت في وعي الشعب المصري وذهنيته، وتفاعلت على مدار التاريخ مع حضارة راسخة، ومع وعي شعب من أقدم الشعوب، وخلقت مساحات هائلة من التخيل الإبداعي الخصيب.
جاء المنتج الشعبي في صور متعددة : الأمثال، الحكم، الألغاز، الحكايات الشعبية، الخرافة، الأسطورة، الأغنية، النكتة، العدّودة، وغيرها من أشكال التعبير الشعبي الذي توج بالشعر العامي بمختلف أشكاله: الزجل، المربعات، الواو، الأغنية الشعبية، المنظوم العامي المقفى، الموال، القصيدة العامية الحرة، ثم قصيدة النثر بالعامية.
هذا التنوع الثري الكبير يشكل الضمير الإبداعي للشعب المصري بمختلف مستوياته وطبقاته.
والكتابة باللغة العامية المصرية هي كتابة تجمع كل هذه الثقافات، بمفردات متداولة، مولّدة ومهجنّة، لتدخل في دائرة الدلالات الإبداعية المصرية، وبمعاجم شعرية طوعها المصريون بلهجاتهم السريعة المتداولة يوميا، والقابلة للمرونة ومطواعية إنتاج الكلمات الجديدة بشكل يومي.
إن المصريين في لهجاتهم العامية، أو بالأحرى اللغة المصرية متعددة المستويات يدمجون بين العربية ولغات كثيرة: الهيروغلوفية والإغريقية والكردية والفارسية والأوروبية خاصة الفرنسية والإنجليزية والتركية وغيرها من لغات البحر المتوسط، وإن غلبت عليها العربية العامية المتداولة.
هذا الدمج التعبيري الكولاجي خلق عامية مصرية لها سماتها التداولية القريبة جدا من مختلف المستويات والطبقات، ووحّدت بين الوعي التخييلي للشاعر وما هو واقع بالفعل ومنطوق، وممارس اجتماعيا وشعبيا، وهنا لم يعد الشاعر ينطق ويفكر بلغة ويكتب بلغة أخرى كما نجد لدى شعراء الفصحى، بل هناك وحدة تعبيرية وتخييلية معا.
ومع هذه الكثافة الكبيرة لشعر العامية المصرية في الوجهين: البحري والقبلي والمحافظات الساحلية والحدودية، فإن إنتاج شعر العامية ثري وخصب بل ومذهل، خاصة أن الجميع يفهمونه، بل إن فئات كثيرة تنطقه وترويه وتؤلفه بالسليقة مثل القرويين والفلاحين والمزارعين في مختلف أنحاء مصر، وأيضا لدى العمال والطبقات الشعبية، فضلا على مبدعيه الكبار بدءًا بابن عروس في صعيد مصر قبل ما يقرب من قرنين ونصف، وليس انتهاء بعباقرة شعر العامية في العصر الحديث.
لقد ارتبط شعر العامية في مصر بالشعب ارتباطًا وثيقًا ، وقدّم عصرنته المتداولة، خاصة عبر الزجل وفن العامية المتعدد والموال، ولامس شعر العامية أعماقَ الضمير المصريّ وتفاصيل حياته اليومية ومناسباته وعاداته وتقاليده، منذ بدايات القرن العشرين حتى اليوم، مسبوقًا بزخم تراثي شعبي في مرحلة ابن عروس ومن جاء بعده من شعراء القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وحدث زخم كبير للعامية المصرية مع تجليات الأغنية المصرية وأصواتها الكبيرة: سيد درويش، محمد عبدالوهاب، أم كلثوم، عبدالحليم حافظ، عبدالعزيز محمود، كارم محمود، شادية، نجاة الصغيرة، عبدالغني السيد، محمد عبدالمطلب، محمد قنديل وغيرهم من عشرات الأصوات المبدعة الخلاقة التي وصلت بالأغنية العامية المصرية إلى فضاءات بعيدة تاريخيا وجغرافيا.
مع كوكبة مبدعة من شعراء العامية في مصر : بيرم التونسي، فؤاد حداد، صلاح جاهين، عبدالرحمن الأبنودي، أحمد فؤاد نجم، فؤاد قاعود، مجدي نجيب، سيد حجاب، ماجد يوسف، مجدي الجابري، إبراهيم عبدالفتاح، محمد القصاص، مسعود شومان، يسري حسان، والكثير الثري من شعر العامية في أنحاء مصر.
ووفق هذا الفضاء الشعري الخصب الشاسع أدعو إلى اختيار يوم وطني لشعر العامية المصرية، يوم سنوي أقترحُ أن يكون في شهر أكتوبر شهر الانتصارات المصرية، ومن الممكن اختيار يوم (21 أكتوبر) من كل عام تأسيا بيوم (21 مارس) يوم الشعر العالمي، يوم وطني لشعر العامية المصرية اعتزازا بهذا الشعر الجميل الراقي الذي عبر عن الحياة المصرية وصوّر فنيا مناسباتها وتقاليدها وطقوسها وفولكلورها، بل وأسهم في الانتصارات المصرية الحديثة حين عبّر عن الأحداث الكبرى في الأوقات المصيرية في ثورة 1952 وفي تأميم قناة السويس وفي حربي 1956 و 1967، وفي حرب النصر 1973م
وأرفع هذا المقترح لوزيرة الثقافة المصرية الأستاذة الدكتورة جيهان زكي من أجل اعتماده، والعمل على تفعيله في حياتنا المصرية التي تزداد بهذا الفن المصري الخالص فن:( شعر العامية المصرية) بكل مواويله ومربعاته وقصائده، تزداد ألقا وتميزا وجمالا وجلالا يصنع الغبطة الإبداعية ويحقق الحضور اليومي المتوهج للحياة المصرية المعاصرة.