أخبار عاجلة

أحمد نصر يكتب: بوصلة القاهرة والتمرد الأوروبي.. السيادة الوطنية تكسر عصا المغامرة الأمريكية

بينما كانت واشنطن تنتظر “صكوك التأييد” المعتادة من حلفائها العابرين للأطلسي، جاءت الرسائل المشفرة من برلين ومدريد ولندن لتكشف عن زلزال في المشهد الدولي؛ حيث الخريطة تُرسم من جديد، والهروب من ساحة الحرب بات هو العنوان الرئيسي للمرحلة. إن ما نشهده اليوم ليس مجرد تراجع تكتيكي، بل هو اعتراف ضمني وصريح بصحة “الرؤية المصرية” التي طالما حذرت من أن اتساع دائرة الصراع سيحرق الجميع، مؤكدة أنه لا بديل عن لغة العقل والحلول السياسية الجادة.
لقد أثبتت بوصلة القاهرة دقتها الاستراتيجية؛ ففي الوقت الذي كان البعض يدفع فيه نحو التصعيد المباشر، كانت مصر تصر على أن استقرار الشرق الأوسط هو ركيزة للأمن القومي العالمي وليس مجرد شأن إقليمي. واليوم، نرى القوى العظمى في أوروبا تتبنى ذات المنطق، بعد أن أدركت أن التكلفة الاقتصادية والأمنية والاجتماعية لأي مغامرة عسكرية جديدة ستفوق بمراحل أي مكاسب سياسية متوقعة، خاصة في ظل الاستنزاف المستمر على الجبهات الأخرى.
وفي خطوة وصفت بالصادمة داخل أروقة “البنتاغون”، حسمت الحكومة الإسبانية موقفها برفض قاطع لاستخدام قواعدها العسكرية الاستراتيجية لشن هجمات عدائية في المنطقة، رافعة شعار “السيادة أولاً”. هذا التمرد اللوجستي جرد واشنطن من غطائها الأهم في المتوسط، ووضعها أمام معضلة حقيقية تؤكد أن زمن التبعية المطلقة قد ولى. وبالتوازي مع ذلك، حسمت القيادات في برلين ولندن وباريس الجدل بالانحياز للواقعية السياسية، ورفض المشاركة في أي مواجهة تؤدي إلى انفجار إقليمي شامل، مما عزل أي تحرك فردي للتصعيد وحرمه من الشرعية الدولية.
الخلاصة أن الوعي الاستراتيجي بات هو السلاح الأقوى في مواجهة العواصف. فعندما نرى القوى الكبرى تغلق أبواب قواعدها العسكرية أمام لغة الرصاص وتغلب لغة المصالح الوطنية، فهذا يعني أن جبهات الخراب بدأت تنطفئ تحت ضغط الواقع. لقد أثبتت الأيام أن مصر كانت الأحرص على استقرار المنطقة، وأن “صوت العقل” الذي نادت به منذ البداية أصبح اليوم هو المخرج الوحيد الآمن المتاح أمام الجميع لإرساء سلام حقيقي واستعادة توازن القوى العالمي.