أخبار عاجلة

الجوهري: تجاوز جدل الذات والآخر هو مستقبل مصر الثقافي

في المؤتمر العام لأدباء مصر؛ قدم الدكتور/ حاتم الجوهري أستاذ النقد الأدبي والدراسات الثقافية والمشرف على المركز العلمي للترجمة بهيئة الكتاب، دراسة بعنوان: “مستقبل السياسات الثقافية في مصر وتاريخها.. جدل السياق والمعنى”، وفيها قسم الجوهري تاريخ مصر الثقافي الحديث إلى ثلاثة مراحل (مصر ما قبل 1952م – مصر ما عبد 1952- مصر ما بعد ثورة 25 يناير).

المرحلة الأولى ما قبل 1952م، قسمها إلى ثلاثة فترات فرعية تبدأ بعصر محمد علي والنمط الثقافي الذي طرحه رفاعة رافع الطهطاوي، ثم فترة بدايات القرن العشرين، ثم فترة طه حسين، ولقد طرح حاتم الجوهري فرضية لدراسة مسار السياسة الثقافية والنمط الخاص بها عبر دراسة الجدل بين الذات والآخر، مبينا أن المرحلة الأولى شهدت تصالحا بين الذات والآخر حين اشتغل الطهطاوي بالترجمة والعلوم والمناهج الحديثة نقلا عن الآخر، وفي الوقت نفسه كان متصالحا مع الذات فاشتغل بداية علوم التراث والفقه ولم ينقطع عنها.

وفي الفترة الثانية يعتبر الجوهري أن هذه هي مرحلة الأزمة ومصدرها القائم حتى الآن في النمط الثقافي المصري والعربي لحد بعيد، حيث يبين في الدراسة أن بدايات القرن العشرين شهدت ظهور الذات المطلقة الأوربية والتي تجب كل ما سواها، مع ظهور التيار الماركسي وفكرة المادية المطلقة والنظام النهائي والمطلق للبشر ودولة الديكتاتورية العمالية الشيوعية (الذي نقله ماركس عن أستاذه هيجل صاحب نظرية المثالية المطلقة ودولة الملك الدينية الرأسمالية)، حيث تبين الدراسة أن تلك اللحظة أسست للصراع والجدل والصراع الوجودي بين الذات العربية والذات الأوربية/ الآخر، وأن تطرف دعاة النظرية المطلقة أو الذات المطلقة من اليسار المصري والعربي، سيستحضر التطرف المضاد من جانب فرق الدين السياسي التي ستتمترس حول الذات مستدعية أشكالا تاريخية كلية ومطلقة ردا على دعاة الذات الأوربية المطلقة.

وفي الفترة الثالثة يرصد الجوهري النمط الثقافي الذي قثدم طه حسين وانتصاره للآخر/ الذات الأوربية حضاريا عبر تأكيده على انتماء مصر لهوية البحر الأبيض المتوسط والحضارة اليونانية، عما هي عليه للحضارات الشرقية والعربية.

أما في مرحلة ما بعد 1952م فتقسمها الدراسة إلى (التوظيف الثقافي مع جمال عبد الناصر- الاستقطاب مجددا مع السادات- ذروة صعود الآخر مع مبارك)، فطرحت أن فترة عبد الناصر قدمت نوعا من التصالح والتوظيف الثقافي للآخر وذلك من خلال توظيفها لمفاهيم “الاشتراكية” و”القومية” اللذان نشأ في الحاضنة الأوربية، لكن مع صعود الذات العربية لتشغل تلك التمثلات الثقافية.

وفي الفترة الثانية مع السادات عاد الاستقطاب مجددا حينما تخلى السادات عن مشروع الناصرية وتوازنه الثقافي في الجدل بين الذات والآخر، وعاد إلى الاستقطاب ولكن عبر الانتصار للغرب الرأسمالي هذه المرة وتبنى قيمها الاقتصادية والتصالح مع الصهيونية وكيل الذات الأوربية في المنطقة.

وفي الفترة الثالثة مع مبارك؛ ترى الدراسة أنها قدمت ذروة الصعود الثقافي للآخر وذلك من خلال سياسة ثقافية قدمها الثنائي جابر عصفور/ فارق حسنى، حيث قدمت خطابا للاستلاب الثقافي للآخر وتفكيك الذات العربية، في تمثلات ثقافية وأدبية وفكرية عديدة، ساقت منها الدراسة أفكار ما عبد الحداثة وقصيدة النثر وزمن الرواية، واعتبار الآخر الأوربي مركزا للكون.

المرحلة الثانية ما بعد 25 يناير، اعتبرت الدراسة أن المرحلة الأولى منها كانت الصدمة وعجز النخب الثقافية عن استيعاب ان الجماهير قد سبقتهم، وأن الجماهير تطالب باستعادة الذات العربية التاريخية المعبرة عنهم دون وسيط، لا من اليسار والليبرالية دعاة الذات المطلقة الأوربية عند ماركس وهيجل، ولا من اليمن وفرق الدين السياسي الذين استدعوا أشكالا تاريخية مطلقة للذات، وكانت فترة التناقضات والصدام ومحاولة النخبة التاريخية إعادة إنتاج الجدل بين الذات والآخر، حينما عجزت الجماهير ونخبتها عن استعادة الذات وتجاوز الجدل.

الفترة الثانية فترة حكم الإخوان؛ وتعتبر الدراسة أنها فترة التطرف الثقافي المضاد للذات التاريخية وظهوره للمرة الأولى ردا على تطرف اليسار والليبراليين العرب والمصريين في الانتصار للذات الأوربية، والذي ادى لصدام بين الفريقين على المستوى النخبوي واستمرار الجدل والصراع، دون ظهور مشروع حقيقي لتجاوز ذلك الجدل.

الفترة الثالثة ما بعد ثورة 30 يونيو، وترى الدراسة أن النخب الثقافية التقليدية حاولت في هذه الفترة أن تؤكد على جدل الذات والآخر والتأكيد على اسقاطاته السياسية في اللحظة التاريخية، دون وجود مشروع ثقافي حقيقي للنهوض بالذات العربية والمصرية، وأن الثقافة المصرية في تلك الفترة اتسمت بالاختباء خلف الأرقام والإحصائيات.

وفيما يخص المستقبل طرحت الدراسة فرضية بسيطة ومباشرة؛ ترى أنه من أجل ظهور سياسة ثقافية مصرية وعربية ناجعة يجب ان يرتبط ذلك بتجاوز التطرف الخاص بالذات الأوربية المطلقة عند اليسار والليبراليين المصريين، والتطرف الخاص بالذات التاريخية المطلقة رد الفعل عند اليمين وفرق الدين السياسي، وطرحت الدراسة فرضا نظريا لحدوث ذلك، وهو ما أسمته فرضية الدورات الثورية والمفصليات الثقافية.

والتي ترى أن التاريخ عبارة عن دورات ثورية وليس دورات حضارية، وأنه لا يحدث انتقال حضاري إلا بظهور دورة ثورية تصحبها مفصلية ثقافية جديدة، من ثم تطرح الدراسة أنه يجب على الجماعة المصرية أن تقدم نخبة جديدة تقود عملية التوافق على المفصلية الثقافية التي طرحته االثورات العربية في القرن الحادي والعشرين، بوصفها شرطا للانتقال الحضاري والثقافي، وبناء سياسة ثقافية واجتماعية جديدة تكون جزءا من نسق ومنظومة قيمية ثقافية وإنسانية جديدة، تقدم النموذج الجديد للعالم أجمع، وتتجاوز وهم الذات الأوربية المطلقة عند ماركس وهيجل، ووهم الذات التاريخية المطلقة التي استحضرها اليمن وفرق الدين السياسي.