أخبار عاجلة

الكاتب ” خيري حسن يكتب ” (الموت .. والحياة) قاتل الفنانة وداد حمدي

(الموت .. والحياة)

قاتل الفنانة وداد حمدي:

نعم.. قتلتها..وأطلب المغفرة من الله!
***
“مخبرشى دي إيه؟
دي الگراڤتة !
ودي تطلع إيه؟
تبقى جاكته !
وده اسمه حزام..
وأتحزم ليه ؟
هو أنا هترقص يا وليِه؟
من بعد طاقية وجلابية
زودت يا أفندي الأفندية” !

[القاهرة ـ 1994]

كان اليوم هو الجمعة، الموافق 26 مارس من ذلك العام. ميدان رمسيس مزدحم بالبشر، ومحطة مصر (السكة الحديد) تستقبل ركابها المتجهين للشمال والجنوب. وفي قلب الميدان يقف تمثال للفرعون المصري القديم رمسيس الثاني ـ وُضع في مكانه عام 1955 بأمر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر – ونُقل عام 2006 بأمر الرئيس الراحل حسني مبارك !
المارة يهرولون، بنظرات فاحصة، ووجوه ضاحكة، وسط نداءات متبادلة من الباعة وكمسارية الأتوبيسات، وسيارات الأجرة، وصفارات عسكري المرور الذي يحاول ـ بشق الأنفس ـ تنظيم الحركة في الميدان دون جدوى. على مقربة من تمثال رمسيس الثاني (حكم مصر في الفترة من 1279 ق.م إلى 1213 ق.م) يقف مواطن اسمه (متى حنا غالي) عمره 43 عاماً، متزوج ولديه أربعة أطفال، ويسكن في شقة مساحتها 100 متر في الحي العاشر. مدينة نصر. شرق القاهرة. يعمل ريجسير (مساعد فنان) منذ سنوات بعيدة. يرتدي بنطلون”جينز”، وقميص أسود، وجاكت باهت، وتحتهم يخفي كيس پلاستك، بداخله قفاز من الكاوتش وسكيناً حاداً. هو الآن يتحرك بالقرب من نافورة التمثال. وينظُر إلى رمسيس الثاني ببلاهة واضحة. يقترب من رذاذ الماء المتطاير من نافورة التمثال. وإن كان الماء يطفئ لهيب وجهه بعض الشيء، إلا أنه لا يطفئ النار المشتعلة بداخله، فهو يعيش في صراع مع نفسه، منذ أسابيع، بسبب ضائقة مالية يمر بها. وهو – بجانب عمله كمساعد لبعض الفنانين ومنهم الفنانة وداد حمدي ـ قام بشراء محل لبيع الأسماك وافتتحه منذ شهور، غير أنه مدين بمبلغ 13 ألف جنيه، ولا يعرف كيف السبيل لسدادها! منذ أيام فقط عرف السبيل وعرف الطريق للحصول على هذا المبلغ. ومنذ أن عرف الطريق بدأ يضع الخطة للوصول إلى الهدف.. واليوم هو ساعة الصفر للتنفيذ.. والخطة هي سرقة الفنانة وداد حمدي.. و… و.. قتلها !
***
(ميدان رمسيس ـ الساعة السادسة مساء)

مازالت حالات الضجيج في الميدان قائمة، ودائمة، والمارة ذاهبون وعائدون. وتمثال رمسيس أمامهم ينظر إلى الزمن الغابر. أما هو فينظر إلى العمارة القربية (عمارة ڤينوس) التي لا تبعد غير خطوات قليلة. بدأ يتحسس السكين فى يده، ويعدل من ملابسه، وينظر نظرة غامضة إلى التمثال، ثم يتحرك ببطء حتى عبر إلى الناحية الأخرى أمام “مسجد الفتح”. هنا وقف دقائق حتى هدأت زحمة السيارات وعبر الشارع إلى العمارة. أمامها وقف يلقي نظرة فاحصة على المكان والشارع المقابل (أول شارع عماد الدين). وعندما عاد ببصره وتأكد من اختفاء الحارس، وعدم تواجد أي شخص في المدخل، تقدم وفتح باب الأسانسير، وضغط وصعد للدور السابع.
خرج (متى حنا) من باب الأسانسير. أمامه شقة مكتوب عليها اسم (عدلي عزيز) وبجواره على يمين باب الأسانسير شقة مكتوب عليها اسم (وداد حمدي) ـ الدور يضم 5 شقق – تقدم خطوات ثم ضغط على جرس الشقة.
ـ أيوه مين؟
ـ أنا متى يا ست وداد…جئت لك بأوردر العمل اللي كلمتك عليه يوم الأحد اللي فات.
ـ حاضر .. يا متى.. ثواني!

***
[الشقة ـ بعد مرور 3 دقائق] ـ إزيّك يا متى.. وازّاي عيالك.. بتروح الكنيسة تصلي يا ولد؟.. وإلا لسه برضه زي ما انتى (تقول ذلك وهي تضحك)؟! هو صامت، ذائغ العينين، يضع يده تحت إبطه في توتر لم يلفت نظرها.
– طيب تشرب قهوة وإلا شاي؟ ما تنطق يا جدع أنت!
– اللى تشوفيه يا ست!
– آه قوللي.. المحل بتاعك ماشي كويس؟
هز دماغه دون رد.
– طيب أقوم أعملك الشاي.. وأنا أشرب كمان معاك قهوة.. استنى بس اشغل فيلم “بنت الجيران”.. كنت لسه مشغلاه قبل ما تيجي.. (قامت وشغلت الفيلم من جهاز الڤيديو ثم دخلت المطبخ).
***
[صالة الشقة ـ بعد مرور 10 دقائق]

هو يجلس في مكانه.. ويتحسس السكين تحت ذراعه.. وداد حمدي تجلس أمام التلڤزيون بعدما فرغت من فنجان قهوتها.. على الشاشة تظهر مع شادية وعمر الجيزاوي في أغنية (من بعد طاقية وجلابية) فتهز رأسها بدلال ودلع وهي تتذكر ذلك الزمن الذي ولى.. وكيف هربت من أسرتها من محافظة “كفر الشيخ”، شمال القاهرة، لتغني، وترقص، وتمثل مع الفرق المسرحية، بعد خسارة والدها لكل أمواله في مضاربات السوق وقتها. جاءت إلى القاهرة وسكنت مع صديقة قريبة لها في حي”السيدة زينب”، ثم بدأت تتردد على المسارح عام 1942 (هي مواليد 16 ديسمبر 1926) إلى أن اشتركت بالغناء مع المجموعة في فيلم (رابحة) إنتاج 1943، إخراج نيازي مصطفى، ثم التحقت بـ “الفرقة القومية” بأجر يومي قدره 20 قرشاً وكان أول افلامها ـ كتمثيل ـ فيلم (هذا جناه أبي) عام 1945. ثم تزوجت من عبد العزيز فهمي، مدير التصوير، ثم من تاجر غلال، ثم من محمد الطوخي (والد المطربة إيمان الطوخي) الذى أكملت معه مشوار حياتها، حتى رحل وترك لها استوديو تقوم بتأجيره. في عام 1959 اشترت شقتين في هذه العمارة. جعلت منهما شقة لوالدتها وأخواتها ـ 5 ذكور وثلاث فتيات ـ ليعيشوا بجوارها وتنفق عليهم. وهذه الشقة التي تجلس بها الآن بالدور السابع، بعدما عملت بنصيحة الفنانة فاتن حمامة التي قالت لها ذات يوم:
– “يا وداد علشان حياتك العائلية تستقر لازم تبقي عايشة في شقة الزوجية بمفردك مع زوجك.. مفيش زوج هيتحمل أمك وأخواتك في نفس الشقة طول الوقت”!
ـ “طيب أعمل إيه يا ست فاتن”؟ مقدرش أسيبهم لوحدهم.. ملهمش حد غيري في الدنيا!
ـ “كويس بس اشتري لهم شقة جنبك وانفقي عليهم براحتك”!
وبهذه النصيحة استقرت حياتها مع زوجها الثالث، محمد الطوخي، وسارت حياتها هادئة، مستقرة، سعيدة، حتى رحيله منذ سنوات.
ـ “فين يا (متى) الأوردر اللي قلت لي عليها في التليفون منذ أيام؟”
وقف في مكانه، وتقدم خطوات منها، ومد يده اليسرى وأغلق التلفزيون، ثم كشر حتى انتفخت عروق رقبته، واحمر وجهه وهو يقول: “عايز فلوس.. عايز فلوس” – قال ذلك وهو يُخرج من ملابسه السكينة التي يحملها.
ـ “اهدأ يا (متى). مش كده يا أخويا.. احنا عشرة من عشرين سنة وبتشتغل معايا.. إيه اللي جرالك؟ حاضر .. الفلوس اللي أنت عايزها هتخدها.. بس نزّل السكينة” .. يده ترتعش. وجسده يهتز. ثم قال:
– “فين الفلوس؟”.
– “في حجرة النوم يا ضنايا.. حالا.. حالا..”.
ثم استجمعت قواها، وبدأت تتحرك مسرعة لحجرة نومها. هو يسير خلفها شاهراً السكينة.. وصلت لحجرة النوم حيث كان معها 170 جنيهاً فقط ـ هو يريد 370 جنيه كسلفه حسب قوله ـ تضعهم بجوارها على الكومدينو”.
– “ولا سلفه ولا غيره ..أهو خد يا حبيبي.. دول كل اللى معايا”.
نظر لها نظرة أخيرة، بعدما اتخذ قراره، ثم باغتها بطعنة في كتفها الأيمن. سقطت على حافة السرير تصرخ :
– “ليه يا متى يا أخويا.. ليه.. ليه ؟”.
استمرّت السكينة في يده تصعد وتنزل وتنغرس في جسدها حتى وصلت الطعنات إلى 20 طعنة نافذة، وخلال ذلك الصراع الدامي غير المتكافئ (صراع السكين وصوتها) لم يسمع استغاثتها أحد من الجيران! ***
[القاهرة ـ 2021]

ذهبت ذات صباح إلى العمارة وصعدت في نفس الأسانسير الذي استقله الجاني، ووصلت إلى الدور السابع الذي بها الشقة، بحثاً عن أصداء تلك الاستغاثة التي لم يستجب لها أحد من الجيران. خرجتُ من باب الأسانسير فوجدت بالصدفة حارس العقار – عرفته بعد ذلك واسمه “حليم” – يتحدث مع صاحب الشقة المواجهة للأسانسير. عرّفتهما بنفسي. ثم قال الرجل: “اسمي جمال عدلي عزيز. عمري 67 عاماً. الله يرحمها كانت أجمل الجيران، وعشرة العمر كله. أبي كان يعيش في هذه الشقة. وهناك ـ واشار على شقتها ـ كانت تسكن رحمها الله. أنا كنت كبرت وتزوجت في شقة بعيدة عن هنا. وكان أبي رجل كبير في السن يعيش بمفرده، فلم يسمع صوتها وهي تستغيث، وظل حزيناً منذ رحيلها وكأنه يشعر بالذنب تجاهها، ودائماً كان يتساءل: “كيف لم اسمع صوتها، وهي تستغيث من هذا المجرم القاتل؟”. قلت: “والشقة الآن في حيازة من؟”. رد: “الورثه باعوها بعد ذلك وهي الآن مكتب محامي!”.

***
سأعبر جسرك المشؤوم…
يا تيار احزانى!
سأعبره، بلا خوف،
لشط العالم الثاني”

[العمارة ـ 1994] مر الآن 20 دقيقة منذ وصول المجرم للشقة وانتقالهما من الصالة إلى حجرة نومها بحثاً عن فلوسها. بعد 20 طعنة وسقوطها على حافة السرير، مضرّجة بدمائها، امسك بالفلوس وأخذها وجهاز كاست وجده أمامه (باعه بـ 50 جنيه) وعاد إلى بيته في حي “مدينة نصر” وجلس للعشاء مع أطفاله! •••
“راح تبكى ليه يا تري؟
ع الحظ والمقسوم
دا كل شئ انكتب
ولكل ظالم يوم”

(قسم شرطة الأزبكية ـ اليوم التالي)
اكتشفت اختها ” ليلى” الوفاة في الساعة الواحدة من بعد ظهر يوم السبت وأبلغت العقيد عصمت رياض – مأمور قسم الأزبكية – في حينه. بدأ اللواء محمود وجدي -مدير الإدارة العامة لمباحث العاصمة- رحلة البحث عن الجاني. وتم استجواب 100 شخص. وحدد الدكتور فتحي حسان -كبير الأطباء الشرعيين- سبب الوفاة بقطع رئيسي بالعنق، مع قطع الأنسجة والأوعية الدموية، مما أدى إلى الوفاة. وتم العثور على خصلة شعر بجوار القتيلة، رجحت التحريات أنها من رأس الجاني. “نقابة المهن التمثيلية” تحركت عن طريق سكرتيرها – شكري عبد الوهاب- الذي أعلن قيمة ما ستدفعه النقابة للأسرة، والذي قدر بـ 4 الآف جنيه، مصاريف للجنازة،
و125 جنيه معاشاً شهرياً.
***
“لِيَهنأ أصدقاء السوءْ
ليهنأ كل من يجترُّ زيف
العالم الموبوءْ
ليهنأ قاتل وغد..يشيع جثة المقتول”

[مدينة نصر ـ بعد مرور 48 ساعة] على الناحية الأخرى مازالت “مباحث القاهرة” تواصل بحثها حتى ضيقت الخناق حول المشتبه به. وعند الساعة السابعة من مساء ليلة الأحد هاجمت قوة من مباحث العاصمة منزل المتهم (متى حنا) الذى وجدوه يجلس وسط أطفاله يتناول وجبة عشائه الأخير وسطهم، قبل أن تثبت الأدلة والبصمات وشعرات رأسه التي سقطت بجوار القتيلة، وشهادة الشهود عن تواجده في نفس اليوم، ونفس اللحظة، في شقتها. وفي النهاية اعترف وأرشد عن أداة الجريمة مبرراً قتله لها في التحقيقات قائلاً: “كنت أمر بضائقة مالية.. فقتلتها”!

***
[سجن استئناف القاهرة ـ 1998]

وبعد مرور أربع سنوات من التحقيقات تم تنفيذ حكم الإعدام على المتهم الصادر ضده، بعد رفض الطعن على الحكم الذي تقدم به، ليقف، عند الساعة الثامنة من صباح يوم 17 سبتمبر من ذلك العام، أمام حبل المشنقة لتنفيذ حكم الاعدام.
وكما يقضى قانون الإجراءات الجنائية حضر اثنان من رجال الكنيسة ثم سُئل السؤال الأخير: “ليك طلبات يا متى”؟ بعد فترة صمت، قال: “أطلب المغفرة من الله”!
الآن أُعدم (متى حنا) .. وأُغلق ملف القضية!
***
[القاهرة ـ 2021]

نزلت من العمارة بنفس الأسانسير بعدما ودعت جارها جمال عدلي وحارس العقار حليم. وترجلت إلى الميدان الذي يبعد عدة خطوات.. حيث الضجيج الذي كان عام 1994، زاد وارتفع وتوحش في 2021، والمارة الذين كانت تعلو وجوههم بعض الابتسامة تبدلت بحالة من التجهم والغضب. أما صفارة عسكري المرور فما لها وجود أصلاً، بعدما اختلط كل شيء ببعضه البعض. السيارات بالبشر. والجمال بالقبح. والازعاج بالهدوء. والأمل باليأس. كل شيء كان.. لن تراه الآن!. لقد غادر كل شيء جميل الميدان ـ فيما يبدو ـ عندما غادر رمسيس الثاني مكانه عام 2006 ليستقر في مكان آخر، غرب القاهرة، في “المتحف المصري الكبير”!

•• خيري حسن
—————
المصادر:
• الأحداث والوقائع حقيقة والسيناريو من خيال الكاتب.

• الشعر المصاحب للكتابة للشعراء:
سعدى يوسف
صلاح جاهين
سيد حجاب
نزار قبانى
ندابة مصرية قديمة( تراث)

– المادة الارشيفية:
الصحف:

الأهرام / المساء / الوفد.

المجلات:

مجلة الكواكب/ الأنباء الكويتية. الأخبار.

• الصور المصاحبة:
الفنانة الراحلة وداد حمدي/ شادية/ عمر الجيزاوى.

جمال عدلي (جار الراحلة) مع الكاتب أمام شقة الراحلة