كيف نقرأ نصًّا إبداعيًّا :
بما يقوله النصُّ أم بما تقوله النظريّة ؟
بقلم
عبدالله السمطي
في عدد من الحوارات النقدية المتعمّقة مع مجموعة من كبار النقاد في العالم العربي، شكّلَ هذا السؤال ركيزةً جوهريّة في هذه الحوارات التي كنتُ أجريها من أجل النشر في المجلات الثقافية والصفحات الثقافية بالصحف .
السؤالُ يواجه النقاد ويواجه النصوص، ويواجه النظرية النقدية جميعا، وهذه المواجهة تتطرقُ في جوهرها إلى فعل القراءة النقدية، وكيف نقرأ النص؟ كيف يتسنى لنا مقاربته والولوج إلى مكامنه من أجل ابتكاره نقديًّا، ومن أجل بيان خواصه الظاهرة والمضمرة، والكشف عن اللا مكتوب في خلفيات المكتوب، فالما- وراء النصّي ، الما – وراء المضمر الخفيّ على قدر من الأهمية التي توازي المكتوب، وعلى قدر من النسقية الخلاقة التي تضعنا في قلب الدلالة النّصيّة إذا وثقنا بخطواتنا المتدرجة في قراءة النص، وتسنى لنا ممارسة قراءة متشوفة وكاشفة.
إن الاقترابَ من النص لا يتمُّ هكذا فجأةً، فالاقترابَ القارئ ، أو بقصد القراءة النقدية بالأحرى، هو اقتراب تجريبيّ مغامر. إنّ القراءة الأوليّة من أجل تحقيق متعة القراءة الحرة لا تتطلبُ منا سوى البحث عن الاستمتاع بالنص، بصوره وأخيلته إذا كان نصًّا شعريًّا، وبسرده وشخوصه وأحداثه ومفارقاته إذا كان نصًّا روائيًّا، وبحواراته الدرامية والمونولوجية إذا كان نصًّا مسرحيًّا، وهكذا في بقية الأنواع الأدبية المكتوبة.
المتعة هي الغاية، ولا غاية أخرى إلا ما يتوامضُ في مخيلتنا القارئة هنا وهناك.
بيد أن القراءة الناقدة هي قراءةُ تورّطٍ في النص، هي قراءة مصاحبة لحواس المؤلف وذهنيته وأخيلته، قراءة تقمّص على مستويين:
إنّ القراءة هنا عبارة عن مواجهة شاملة لا تتوقف، وهذه المواجهة تستدعي أن يكون القارئ على درجة من الوعي بالأدب وعناصره وتحولاته، فالقراءة في النص الأدبي ليست قراءة مريحة تطمئنُّ لما في أخيلتنا أو ذاكرتنا الثقافية، لكنها قراءة مغامرة تلوذ بمختلف الأسئلة المسبّقة التي نفترضها ونقترحها على النص قبل قراءته وأثناء عملية القراءة ، وبعد الانتهاء من القراءة.
في تصوري أنّ القراءة تبدأ من الملامسة الأوليّة للنص، قراءته أولا من أجل التعرف والمتعة، ثم تأتي بعد ذلك القراءة النقدية الحقيقية التي تتشكّلُ من مجموعة من القراءات المتتابعة في أوقات مختلفة.
وعلينا في البدء أن نحدد طبيعة النص المقروء قبل الانطلاق في القراءة. إن ثمّةَ مجموعة من الأسئلة والاقتراحات المفترضة يجب علينا أن نطرحها قبل أن نستهل القراءة، سواء أكانت أسئلة واقتراحات مكتوبة، أم تدور في الذهن؟ أم هي أسئلة واقتراحات شفاهية؟
ما هو النص؟ وما نوعيته؟ هل هو نصٌّ قديمٌ أم نصٌّ حداثيٌّ؟ هل هو نص تقليدي لا يضيفُ جديدًا؟ أم هو نص ما بعد حداثيّ؟ ومن الذي كتبه؟ وإلى أي تيار أدبي ينتمي؟ وفي أية مرحلة زمنيّة تخلّقَ؟ وما هي البيئة الثقافية والتاريخية والاجتماعية التي نشأ بها؟
هذه الأسئلة وغيرها من ضروريّات (القراءة المسبّقة) قبل الاقتراب من القراءة الفعلية للنص.
الخبر الثقافي موقع يهتم بكافة النواحي الثقاقية بمختلف مجالاتها وتغطية الأخبار الفنية .