حكيم جماعين يكتب : لبنان بعيون فنان
على قاعة بيكاسو في الزمالك يقدم لنا الفنان المهندس منير أبادير، قراءة جمالية مفتوحة على “الاند سكيب اللبناني”، لاند سكيب ليس مجرد جغرافيا، بل تراكب طبقات طبيعة قاسية وحنونة في آن، تاريخ معماري كبير مجتمع يعيش بين الثبات والحركة، اللاندسكيب الذي يجمع الجبل والبحر والمباني لا يمكن قراءته كصورة مكتملة، بل كـ نص مفتوح قابل للتأويل، تماماً كما يصف جاك دريدا التفكيك (المعنى ليس ثابتاً، بل يتشكل عبر العلاقات والتوترات).
قرى الشوف (دير القمر، بعقلين)العمارة الحجرية المتدرجة العلاقة العضوية بين البيت والانحدار الفراغ العام (الساحة) كقلب اجتماعي
هذه العمارة لا تُعرّف نفسها بالواجهة، بل بالمسار، بالانتقال، بالصعود والنزول.
اللاندسكيب المقترح يستعيد هذا المنطق، لا يفرض نقطة نظر واحدة بل يخلق تجربة متحركة للمكان.
بيت كفريا – المعماري برنارد خوري (كمثال نقدي مضاد) رغم اختلاف التوجه، يمثل خوري قطيعة واعية مع الرومانسية الجبلية موقفاً نقدياً من الذاكرة وجود هذا المثال مهم لأنه يوضح أن الانسجام مع الطبيعة ليس خياراً بريئاً، بل موقفاً أيديولوجياً. يقدم لنا منير اللاندسكيب الناعم هنا كخيار للهدوء كفعل مقاومة لا كهروب.
دير مار موسى الحبشي (الوادي المقدس – شمال لبنان) عزلة بساطة حضور روحي للمكان، المباني تكاد تختفي لتسمح للطبيعة بالكلام. وهذا يتقاطع مع فكرة العمارة كصمت، لا كخطاب صاخب. ان حضور الجبل عند منير والبحر كجدلية وجودية
في الفلسفة الظاهراتية (Phenomenology)
الجبل = الوجود المتجذر (Being)
البحر = الصيرورة (Becoming)
الإنسان اللبناني تاريخياً يعيش بين الانتماء
القروي الهجرة والانفتاح. استطاع منير وبحذاقة العارف ان يجسد ذلك من خلال، هذه الجدلية الوجودية، بيتٌ ثابت يطل على أفق لا يستقر.
هذا اللاندسكيب، ليس محاولة لتجميل الواقع
بل لإعادة قراءته هو، لبناني دون فلكلورية
حداثي دون قطيعة، جمالي دون استعراض.
ويطرح سؤالًا فلسفياً مفتوحاً، هل يمكن للعمارة في لبنان أن تكون فعل إصغاء… لا فعل هيمنة؟
هذا اللاندسكيب الجبلي–البحري عند
منير لا يقدّم نفسه كحلّ، بل كسؤال مفتوح. فهو لا يدّعي المصالحة الكاملة بين الإنسان والطبيعة، ولا يَعِدُ بتناغم مثالي، بل يقترح فعلا جمالياً في السياق اللبناني، حيث الجبل والبحر ليسا عنصرين جغرافيين فحسب بل شرطين وجوديين، تصبح العمارة فعل تموضع أخلاقي قبل أن تكون ممارسة شكلية. فالمشهد في المنطقة الرمادية بين الثبات والتحول، بين الذاكرة والنسيان، بين الانتماء والرحيل. الجبل لا يُقرأ هنا كرمز للنقاء أو الأصالة، ولا البحر كأفق خلاص رومانسي، بل كقوتين متعارضتين تُنتجان المعنى من توترهما. العمارة في هذا الإطار، ليست وسيطاً محايداً، بل شاهداً على هذا الصراع، تحاول أن تسكنه دون أن تحسمه.
من باب الرؤية الاجتماعية، يشكّل هذا الاندسكيب موقفًا نقديًا من واقع عمراني لبناني قائم على العزل، والتملك، وتسليع المشهد الطبيعي. إنه يعارض منطق الواجهة المغلقة والمنتجع المعزول، ويقترح بدلًا منه فضاءً قابلًا للمشاركة، للهشاشة، وللتجربة الجماعية. هنا، الجمال لا يُستهلك، بل يُعاش ولا يُختزل في صورة، بل يتطلب زمناً وذاكرة.
فالمشهد يرفض الاكتمال. لا مركز بصري واحد، لا مبنى أيقوني، ولا خطاب جمالي مهيمن. كل عنصر يُعرَّف بعلاقته بالآخر، وكل قراءة تبقى مؤقتة، قابلة للتقويض وإعادة البناء. وبهذا المعنى، يصبح اللاندسكيب عند منير نصاً مفتوحاً قابلا للقراءة وإعادة القراءة.
في النهاية، اعتقد ان منير بمشروعه هذا لا يسعى إلى تمجيد الطبيعة ولا إلى تبرئة العمارة، بل إلى مساءلتهما معاً. إنه يقترح عمارة تُصغي بدل أن تفرض، وتتماهى بدل أن تتباهى، وتقبل نقصها كجزء من صدقها وبإعادة الاعتبار للمعنى قبل الصورة.
*ناقد وفنان تشكيلي

الخبر الثقافي موقع يهتم بكافة النواحي الثقاقية بمختلف مجالاتها وتغطية الأخبار الفنية .