أخبار عاجلة

د. بەهات حسيب قرەداخي يكتب: جذور الكوردية تكمن في روح العرفان

د. بەهات حسيب قرەداخي يكتب: جذور الكوردية تكمن في روح العرفان

لم يكن حضور الرئيس مسعود بارزاني في ندوة ( الملا جزيري الأدبية) في مدینة شرناخ ( کوردستان ترکیا )، مجرد حضور بروتوكولي، بل كان خطوةً عظيمةً في رحلة العودة الهادئة إلى المنبع الروحي الذي تستمد منه (الكوردية) جمالها وعمقها.
في تلك الندوة، حيث تشابك الأدب والسياسة، وقف الرئيس بارزاني أمام الشعراء والمثقفين ليؤكد مجددًا أن القضية الكردية ليست مجرد قضية سياسية، بل هي قبل كل شيء هوية وذاكرة وروح مقدسة، ولا يمكن تجاهلها.
كان خطاب الرئيس بارزاني تعبيرًا واضحًا عن التقليد العرفاني المتجذر بعمق في شخصية البارزانيین ؛ تقليد يوازن بين الحكمة السياسية والبصيرة الروحية. صوت الرئيس ملأ القاعة المزدحمة بنبرة هادئة وواثقة. قائلا للحضور و للکورد : الأدب ليس مجرد ترف مادي او اکسسوار جمالي ، بل هو طاقة روحية لتحقيق العدالة والمصالحة، وجسر لإعادة بناء الثقة بين الأمم والأفراد والمجتمعات. ما أثار إعجاب الحضور هو كشفه عن علاقته الروحية بالشعر والتصوف الكرديين الكلاسيكيين، وهي علاقة نادرًا ما نجدە في عالم سياسي مليء بالتقلبات والاستقطاب.
الرئيس بارزاني، وهو رجل حرب وبیشمركه، کما وهو رجل سلام و وئام ، تحمل مسؤولية أمة تكافح في خضم الإبادة الجماعية منذ قرن، وجدناه أكثر ميلاً إلى لغة الشعر والعاطفة وفلسفة الحياة منه إلى لغة السياسة، لكنه في ختام خطابه، تحول إلى عالم السياسة وجدد دعوته لمواصلة الحوار البنّاء للوصول إلى حل مشرف وسلمي للقضية الكردية في تركيا. وبطبيعة الحال، لم يكن هذا موقفاً سياسياً فحسب، بل كان أيضاً موقفاً شجاعاً من الناحية الأخلاقية التي تعود إلى تراث طويل من العرفان الكردي الذي تمسک بقيم الحياة و السلام من أجل الحفاظ على جسور التفاهم والتلاقي بين شعوب المنطقة.
خطاب الرئيس بارزاني هو نتاج مدرسة فكرية كردية وسّعت عالم السياسة ليشمل الفن والأدب. فلابد أن تمتزج الحكمة بالحساسية، وأن تتعانق القدرة مع التسامح، وأن تكون الهوية الوطنية جزءًا لا ینفصل عن ميدان النضال الإنساني. يبدو أن هذا المزج بین الأدب والسياسة سیکون اسهاما جديدا من الرئيس بارزاني في بناء صرح التعايش، وخطوة عظيمة على الطريق الطويل نحو سلام مشرف في منطقة مليئة بالاضطراب والشقاق.
احتضنت شرناخ (مدينة نوح) وجبل جود، سفينة خلاص جديدة، فبعد عشرات الآلاف من السنين، بثت الروح في البشریة مرة أخرى. حیث لم يكن الرئيس بارزاني سياسيًا كرديًا فحسب، بل كان أيضًا الممثل الأسمى لأمة تعيد كتابة تاريخها بحكمة وتدافع عن حقوقها بروحیة عرفانیة.
ما رأيته من الرئیس بارزاني علمني حقيقة مذهلة: القيادة ليست فقط القدرة على اتخاذ القرارات السياسية، بل هي أيضًا القدرة على منح طاقة روحية !