حكيم جماعين يقرأ معرض مدحت سعودي بقاعة ضي: ظل صديقي زوربا يثقل أيضاً على روحي
عندما يسقط الضوء على الحارة، أو تنعكس السماء على صفحة النهر، أو يمتد الظل عبر الفراغ، فإن ما يظهر في الصورة ليس مجرد ما نعرفه عن المكان، بل ما يود أن يقوله المكان عن نفسه.
في هذا السياق، يقدم مدحت سعودي من خلال معرضه في قاعة ضي العرب بالزمالك خطابًا بصريًا غنيًا، يجمع بين الجمالي والوجودي، والمرئي والمتخيل. فالظل ليس مجرد “عدم”، بل هو وجود من نوع آخر. إنه الوجود الذي تخلّى عن مادته، ليتحول إلى فكرة. ورغم أن الصورة قد تبدو واقعية، فإن الظل يكسر هذه الواقعية دائمًا، لأنه يكشف عن اللايقين الكامن في الوجود.

عندما يختار مدحت سعودي زاوية يُهيمن فيها الظل، فإنه يعيد ترتيب العلاقة بين:المرئي (الجسد)اللامرئي (المعنى)المتحول (الضوء)بهذا، يصبح الظل تأويلًا لوجود الإنسان، وليس مجرد نتيجة ضوئية.
من خلال هذه الثلاثية، ينقلنا مدحت سعودي عبر فضاءات الحارة، مؤكدًا أن الحارة ليست مجرد فضاء عمراني، بل هي جسد حي ذو طبقات: طبقة المكان، وطبقة الزمن، وطبقة الذاكرة، وطبقة الخيال الشعبي.
فالمصور الذي يدخل الحارة لا يصورها، بل يُصوَّر بها.

كل جدار هو “نص بصري”، وكل نافذة تمثل “عينًا”، وكل زقاق هو “لغة”. الضوء ينزل كالوحي الخافت، محصورًا بين الأسطح والجدران، ليصبح فاعلًا سرديًا، لا مجرد شرط للتصوير. في الحارة، يتجمد الزمن داخل الجدران، بينما في النهر يتدفق أمام العين. إن تصوير النهر هو محاولة لإيقاف ما لا يمكن إيقافه، وبالتالي، الصورة هنا تعكس فلسفة الخسارة: خسارة اللحظة، وخسارة الثبات، وخسارة اليقين. النهر يمنح الصورة حسًا زمنيًا، حيث يحدث تمازج بين الحركة والسكون.

يمكن القول إن العرض هو فلسفة للصورة عبر أماكن الوجود، ويطرح تساؤلًا مهمًا: مفاده
إن الفوتوغرافيا التي تشتغل على الظل والحارات والنهر لا تهدف إلى الجمال، بل إلى كشف طبقات الوجود. إنها ليست مجرد صور، بل هي تفكير بصري في المصير الإنساني. عندما تصبح الصورة فلسفة، يتحول الضوء إلى أداة للمعرفة، والمكان إلى نص، والمصور إلى قارئ يمارس كتابة الوجود بالحس، لا بالكلمات.
*الكاتب باحث جمالي وفنان تشكيلي
الخبر الثقافي موقع يهتم بكافة النواحي الثقاقية بمختلف مجالاتها وتغطية الأخبار الفنية .