أخبار عاجلة

عبدالله السمطي: الكلمة الأولى وجماليات الومضة الشعرية

هي لحظة الومْضِ التي تتواترُ في مخيلة الشاعر حين يستهلُّ كتابة قصيدته. هذه اللحظة لا تتشكّلُ بالضرورة في التوّ – وهي تتشكلُ – لكنها تبزغ من تجليات عناصر ومؤثرات واسترجاعات كامنة في الوعي، ومن تجليات لها تمددها في الذاكرة، وفي الذهن والوجدان . إنها لحظة مشرقة على اليقين، لحظة تتكثف فيها أزمنة عدة: زمن الحلم، زمن التأمل، زمن الرؤيا، الزمن الشخصي الذي تكونت فيه مواقف وتجارب وتصورات. من امتزاج هذه الأزمنة جميعا وتماهيها تنجم اللحظة الشعرية، وتتوامضُ إشراقاتها وانبثاقاتها.

هكذا فإن لحظة الومض هذه تبدأ من نقطة ضوء صغيرة في المخيلة، ثم تكبرُ شيئًا فشيئًا حتى تشرق في كلمات القصيدة.
وحين يشارف الشاعر تفتّح قصيدته وانبثاقها، فإنه يستهل بكتابة الجملة الأولى منها، بل الكلمة الأولى التي تصبح في حد ذاتها طاقة إشعاع تقود إلى الكلمات التالية, فالجمل التالية, في الفقرات و المقاطع والمشاهد حتى يكتمل النص في صورته الأولى لنفترض في ظل هذا الوعي أن الشاعر استهل قصيدته بكلمة (البحر).
من البدهي أن مترادفات البحر ودلالاته ومتضاداته سوف تعكس وعيًا ما في مخيّلته, ومن البدهي كذلك أن يفترض القارئُ أن ثمة فعلاً جماليًّا سيحدثُ: وصفًا أو سردًا أو تصويرًا أو استعارةً أو تشبيهًا. الكلمة الأولى سوف تقنعنا بالدخول بداهةً إلى منطقة التوقع وفضاء التأويل.
سوف تفتحُ الكلمة الأولى طاقة كلمات أخرى تتجاور معها لتشكل اللبنات الأولى لجمل شعرية متتالية، تتراكبُ في سياق ما يفضي إلى معنى، إلى جملة من المعاني التي ستنتظمُ في بنية كلية هي بنية القصيدة.
الكلماتُ المجاورةُ للكلمة التي يستهلُّ بها النص سوف تفتحُ مجموعة من الدوائر الدلالية المتسلسلة أو المنفصلة التي تتسع بشكل تدريجي كلما آثر الشاعرُ اتساعها، وكلما خصّبَ قصيدته بدوائر متباعدة يصنعُها هذا التلاقي السياقي المبدع.
كل العناصر هنا يصبح لها قيمتها المثلى، وعليها أن تؤدي وظائفها بدأب وإتقان.
إن مكونات الجملة سيكونُ لها طاقتها، وهي طاقات تبزغُ من دورها الحقيقي في تشكيل ذاتها كجملة من جهة، وفي تشكيل الخصوبة اللغوية والأسلوبية والنحوية والإيقاعية والدلالية والتقنية للنص نفسه من جهة ثانية.
إن فاعلية الأسماء والأفعال والحروف سوف تتحمل شحنات عالية لوجودها في نسق تعبيري مغاير يختلف عن أية كتابة أخرى. إن هذه الفاعلية النحوية لها خارج الشعر وظائف إخبارية بالضرورة، وربما تتسامى أكثر فتأخذ قدرًا من البلاغة النثرية، فتحل بها طاقة تشعيرية خفية أو جلية. لكنها في هذا النسق هي مضطرة لأن تؤدي بأقصى طاقاتها وأعمق شحناتها التعبيرية، لأن نسق الشعر يبحث عن الأكثر إبداعا والأعمق خلقًا ولا يرضى بما هو إخباري أو مباشر أو تداولي إلا بالقدر الذي تزكو به القصيدة.
ستكون كلمة :” البحر” مرصودة بوصفها وعيًا شعريًّا أولَ ، وهنا تتقاطرُ دلالاتها: المياه، الموج، الشاطئ، الأشرعة، السفن، الاصطخاب، الزرقة، الأسماك، الأعماق، الملح، السفر… إلخ فيما ستكون الدلالات المضادة حاضرة بالتأكيد في الوعي الشعري: البرّ، المدينة، الشوارع، الجفاف، السراب… إلخ، هذه الدلالات تتلاقى أو تتنافر، تتماهى أو تنفصل لتصنع وعيًا أوليًّا لمدخل القصيدة، ولتصنع حالة من الترقب القارئ، ولتصنع رؤية أو رؤيا، وما يأتي بعدها هو الإشعاع الأولي الذي يخطر في ذهن الكلمات.
ربما يتحدث البحر بدلالاته في الإحساس اللغوي الكلاسيكي بشكل مباشر وأحيانا بشكل رمزي. من هنا كانت التداعيات الأولية له تداعيات جلية، وربما تكون متوقعة من لدن القارئ ،

لنتأمل في بيتين حيث البحر مشبه به:
أنا البحر في أحشائه الدرّ كامن
هل ساءلوا الغواص عن صدفاتي؟
(حافظ إبراهيم)
والبحر ساجٍ صامت فيه خشوع الزاهدين
(إيليا أبي ماضي)
في البيت الأول استطرد حافظ إبراهيم بتأثير من ومضة دلالات كلمة (البحر) إلى ذكر الغواص وذكر الصدفات مع حضور الأنا في ياء المتكلم بكلمة (صدفاتي) تعزيزًا لحضور المشبه ( أنا) أول البيت، فكلمة البحر استدعت دلالاتها الأخرى مما يعطي ارتياحًا للمتلقي بأفق توقع محسوس ، معهود ومتوقع، ولنقل ذلك في وصف أبي ماضي للبحر بالصمت والسكون، في تشبيه نقل الحسي إلى شكل روحي كتطوير لدلالة البحر وانفتاح على تشبيه بليغ آخر: (خشوع الزاهدين)
فيما غيّب المتنبي كلمة البحر ، في قوله:
أنا الغريقُ فما خوفي من البلل

لكنه أبقى على ما يدلّ على حضورها، بذكر كلمة (الغريق) وكلمة (البلل) وإن كان الاتساع الدلالي أرحب وربما بشكل تأويلي يتجاوز كلمة البحر ودلالاتها المعروفة.
إن الأفق الشعري للقصيدة يتشكل من كلمات، وهذه الكلمات حيوية وحركية ويتم اختيارها بعناية ودقة بحيث تؤدي طاقتها المثلى على مستوى السياق ، ووجودها بين كلمات سابقة وكلمات تالية سواء كانت هذه الكلمات مكتوبة ماثلة حيالنا في الصفحة الشعرية أو كانت غائبة مستترة ومحذوفة لكن لحضورها أثر ما في تغيير دفة الكلام ومعانيه.
هكذا فإن للومضة الأولى للقصيدة دورها وانبثاقاتها التي تشع رويدًا رويدًا حتى تكتمل القصيدة في صيغتها الأولى التي قد يبقي عليها الشاعر كما هي أو يتم تغيير بعض كلماتها وأساليبها وعناصرها اللغوية.