
عبدالله السمطي
(شاعر وناقد من مصر)
في الأفق الشعري للشاعر الكبير أمجد ريّان تتجلى تحولات شعرية كثيرة، فانتماؤه الجماليّ الأول هو لحركة الحداثة الشعرية في مصر، التي تشكلت ما بعد حداثة جيلي الخمسينيات والستينيات التي مهدّت السبل الجمالية والرؤيوية لتكوين شعريّ يرتكز على الرؤية/ الرؤيا، وعلى إعادة تشكيل العالم فنيا، والنظر إلى الوجود وفق نظرة شعرية ترى في التاريخ والتراث والمقدس والعمق الشعري العربي بكل تجلياته من الغنائية إلى الرومانتيكية والرمزية والواقعية والسوريالية بل والصوفية، كينونة فنية لإبداع قصيدة جديدة.
هذا الانتماء إلى الوعي الحداثي الجديد الذي شكلته – على الأخص – جماعتا : ( إضاءة 77) و( أصوات) بدءا من مرحلة سبعينيات القرن العشرين في مصر كان عاصفًا، على مستوى التحول الشعري إلى لغة أخرى تفارق المعهود التراثي، وتتأسلب بتجليات ما بعد الحداثة الشعرية على مستوى بنية القصيدة، والأجواء الفنية والجمالية، والمزج ما بين التفعيلي وقصيدة النثر.
وفي بدايات أمجد ريان الشعرية ما يؤذن بوجود شعرية حداثية مغايرة، بدءا من ديوانه : (أغنيات حب للأرض) الصادر سنة 1972م إلى صدور بقية دواوينه المتتابعة ومنها: الخضراء: دار آتون، القاهرة ، الطبعة الأولى ، نوفمبر 1978م.، حافة للشمس : المؤلف (كراسات الفن المنحاز) ، القاهرة ، الطبعة الأولى 1979م ، أحرثُ وهج النخيل: المؤلف (كراسة الإبداع الشعري) ، القاهرة ، الطبعة الأولى 1983م ، لاحدّ للصباح: دار الحداثة بالقاهرة ، الطبعة الأولى 1990م ، أيها الطفل الجميل .. أضربْ: دار الغد للنشر، القاهرة ، الطبعة الأولى 1990م أوقْع في الزغب الأبيض :دار شعر بالقاهرة ، الطبعة الأولى ، 1990م، مرآة للآهة: دار شعر بالقاهرة ، الطبعة الأولى ، 1991م ، وغيرها من الدواوين التي كان فيها أمجد تجريبيا لكنه لم يتخلّ عن الجمالية الشعرية أو مستويات لغاتها المتعددة.
تجريبية ريان :
على اليقين لا تتوقف استقصاءات القصيدة العربية . الاستقصاء الجمالي في حد ذاته يشكل حالة إبداعية خصبة تركض ما بين الخرق والخلق. الشعر يحتاج هذا الاستقصاء، يحتاج دائما لأن ينمو في مطلق المخيلة، وهذا النمو يتحفز تجريبيا.
في كل قصيدة مبدعة قدر ما من التجريب، وقدر ما من الاستقصاء، ولهذا إذا كان الأداء من لدن الشاعر مبدعا وخلاقا سوف تكون مقدرات الوصول إلى تشكيلات طريفة وقشيبة مصدرا للفرح حين يصل الشاعر إلى مفاجآته النصية، وحين يراود جحيمه وفراديسه عن صور ومشاهد لم تحدث من قبل.
وفي ديوانه : ( تي شيرت واسع بكل الألوان) ( الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة 2020) يصدمنا الديوان أولا بشكله وحجمه الصغير وخطوطه الصغيرة، فهو ديوان لا يليق بتجربة شاعر صاحب تجربة شعرية مديدة، سواء على مستوى الإخراج، أو شكل الصفحة الشعرية، ومن الغريب أن الصفحة الثانية بالديوان تحمل أسماء (8) شخصيات مشرفة على التحرير والنشر ، كأن كل هذا الزحام أنتج هذا الديوان الصغير جدا .
يتشكل الديوان الواقع في (80) صفحة من القطع ( 13.5 x 19.5 ) من (20) قصيدة نثرية، وهي قصائد يتشوف فيها الشاعرة تجربة جمالية جديدة ترتكز في جوهرها على:
– إيلاء السرد الشعري العناية الأكبر في التعبير الشعري، وصياغة الجمل الشعرية.
– التركيز على المشهدية وتشكيل النص من عدة مشاهد.
– التأمل في التفاصيل اليومية الواقعية.
– الارتكاز على المباشرة والابتعاد قدر الإمكان عن البلاغة الشعرية وآلياتها المجازية والاستعارية، والنأي عن توظيف أي شيء تراثي أو رمزي أو أسطوري.
– التأمل في تحولات الذات الشاعرة وتحولات الحياة .
وفق هذه الرؤية الشعرية تأتي قصائد أمجد ريان في هذا الديوان الذي تتصدر غلافه صورة (تي شيرت ) معلق في شماعة.
ومن عناوين القصائد العشرين نجد بعض الكلمات الدالة على واقع الحياة الراهنة مثل: أضغط أزرار المحمول منفعلا، خرجت بالأمس لأشتري كارت المحمول، بالإضافة إلى عناوين غامر بها الشاعر ووضعها كأنه يأتلف مع تفاصيل الحياة اليومية مثل: تي شيرت واسع بكل الألوان، تسريحة عريضة مراياها في ثلاث زوايا، أتأرجح على الكرسي الهزاز، طبق ” مسقعة ” باللحم المفروم.
ولأن شهية القراءة لابد لها من مذاق، يمكن لنا أن نبدأ القراءة بهذا النص ، فطبق المسقعة باللحم المفروم من المؤكد أنه سيكون أكثر طلاوة في التذوق في قصيدة نثرية يقول فيها الشاعر:
لا يعلم أحد رصيدي من اليأس
وعيون الناس في الشوارع
ضيقة زائغة مهمومة
ودائما هناك لحن ميت
ينام في أعماق رأسي
ولا أحس بالحيوية على الإطلاق
حتى حين وضعوا أمامي
طبق ” المسقعة” باللحم المفروم
وصحن ” الطرشي” الطازج
حيث قطع الجزر المشرشرة
وقطع اللفت المشرشرة
والبصل الصغير في حجم عقلة الإصبع/ ص 64
ربما لا توجد إشكالية شعرية في التعبير عن الذات كما في بداية المشهد، والشعور باليأس والهموم، لكن هذه اللغة التي تمتزج والتفاصيل اليومية المعروفة، ليست في هموم الشعر على الإطلاق، لأنها لغة حكي يومي، ولغة غير مؤهلة لأن تصبح شعرا، لأنه لا مفاجآت فيها، وهي معروفة في حكي البيوت والشوارع والمقاهي، ربما تصلح لقصص أو روايات أو نكت أو أخبار يومية، لكن في الشعر لا تصلح في تصوري للتعبير عن شيء ما ، بل تثير السخرية من هذا الأداء الشعري المفترض أن يكون أكثر رقيا لدى قراءة تجربة شاعر لها حضورها الزمني الطويل.
ويضيف الشاعر في القصيدة نفسها:
نادت فاطنة” على ابنتها ” نادية”
ووضعت الكيس البلاستيكي في يدها
والفلوس في يدها الأخرى
وقالت لها: اذهبي لعم رجب
وهاتي الطماطم والباذنجان
والفلفل الأخضر
ولا تتأخري
ولما عادت أنّبتها أمها على التأخير
وخطفت منها الكيس
وجرت إلى المطبخ
لتنجز أشهى طبق ” مسقعة” . / ص.ص 64-65
ربما نحب ( المسقعة ) في البيت مع الخبز أو الأرز والمخلل، ولكن بالتأكيد لن نحبها في الشعر، وفي تركيب قصيدة من المفترض أن يقدم فيها الشاعر أيقوناته الجمالية والرمزية والتشكيلية الفنية لا أن يقدم قائمة مأكولاته، فنحن في حضرة قصيدة ولسنا في ضيافة مطعم أو عزومة بيتية، ولا أعتقد أن هذا الأداء الباهت يليق بشاعر مثل أمجد ريان له تجربة شعرية طويلة.
إن استلهام السردي واليومي في الشعر عليه أن يقدم طاقة رمزية، وأن يحافظ على كنه الشعر ونكهته المعتادة على اعتبار أنه فن، كما يدرك أمجد ريان، وعلى اعتبار أنه لغة خلال لغة.
فأية لغة شعرية تلك التي نراها في الطرشي والمخلل والمسقعة؟
بل وفي نصوص كثيرة بالديوان نجد هذا الأداء الباهت الذي لا يعبر عن دور الشاعر ولا دور الشعر، كما نجد في مثل هذه التعبيرات:
– أغرّق رأسي بالفازلين
وأخرج من البيت على ” سنجة عشرة” / ص 70
– الموبيليا كلها ” سكتم بكتم” / ص 5
– وعقلي ” عمّال يجيب ويودّي” باحثا عن الحل/ ص 11
– أظلّ أنا أعبّر عن شوقي
– ل ” اللوبيا” الحمراء المطبوخة
والمضاف لها ورق ” اللورا” . / ص 17
– باكو الشيكولاتة بالبندق والمكسرات في جيبي لكنني حزين / ص 34
– وحين سألت المرأة الصعيدية:
ما ” اليخني”؟ فتنهدت وقالت:
هو لحم مسلوق، وبصل مقطّع
وقليل من ” البامية” / ص 37
– المرأة السمينة بضة الذراعين
وضعت في التو
الباذنجان المحشوّ بالأرز واللحم المفروم
في الفرن / ص 48
حقيقة الأمر قد يتحول الشاعر إلى متنبئ، أو عراف، أو حكيم، أو راء، أو فيلسوف، لكن أن يتحول الشاعر إلى ” شيف” و” طبّاخ” فهذه حالة ربما تحتاج إلى عناية نقدية كبيرة، واختبار تذوق، والانتقال إلى المطبخ الأدبي من جديد.
سردية مجانية:
أتصور أن آليات السرد حين دخلت إلى النص الشعري، دخلته من باب المشهدية، وتشكيل مشاهد تعزز من الأبعاد الجمالية للنص، لا أن تدهور لغته، وتنقل النص من فضاءات الشعرية إلى فضاءات الحكي وإلى خبرية مباشرة جدا نراها بشكل يومي متبعثرة في صفحة الحوادث وصفحة الأخبار بالصحف.
ربما يصلح ما يقدمه أمجد ريان هنا في أكثر نصوصه لسيرة ذاتية، أو لانطباعات يومية يمكن نشرها كانطباعات وخواطر، لكنها لا تضيف مطلقا لرؤيته كشاعر تجريبي أو شاعر ما بعد حداثي.
فالشعرية لا تتأدى بذكر مفردات وأدوات التقنية الحديثة كالموبايل والكيبورد وشاشة الكومبيوتر وشاشة الموبايل ومواقع التواصل، أو الانشغال بالمطبخ والموبيليا لإثبات حداثة الشاعر، ولكن تضاف بالقيمة الرمزية التي يمكن أن تصنعها هذه المفردات وتشكل عملا له ديمومته لا مجرد سرد وحكي يعرفه الجميع.
مع ذلك كله تتبقى بعض النصوص في الديوان التي مازالت تستند على شاعرية أمجد ريان الحقيقية التي كنا نراها في ماضيه الشعري، من حيث طزاجة العبارات وعمقها، واستثمار الإمكانيات التجريبية في التقاط تقنيات جديدة حروفية وبصرية واستعارية، وفي تعميق الألم الإنساني ورمزياته المتعددة ، مثل نصوص: شعرها قصير وجسدها فرنساوي، أضغط أزرار المحمول منفعلا، أبكي لأجل البيت المأزوم، ميلودراما الحب والفساتين والأكورديون، وغيرها من النصوص التي استثمر فيها الشاعر اليومي بلغة راقية وبرمزية تخالف هذا الرصد والسرد المجاني الذي ربما لا يصلح لأداء قصيدة حديثة .
الخبر الثقافي موقع يهتم بكافة النواحي الثقاقية بمختلف مجالاتها وتغطية الأخبار الفنية .