أخبار عاجلة

عبد الله السمطي: أنوار السعد في قصة: تعويذة الصحراء

كتب:
عبدالله السمطي

هي قصة ممتعة حقًّا : تعويذة الصحراء للمبدعة د. أنوار السعد
لماذا هي ممتعة؟
لأن الكاتبة كتبتها بشكل سردي حديث، متجدد، وبلغة شاعرية لا تقف عند الجمل السردية المألوفة. القاصة هنا لا تحكي ولكنها تكتب بلغة شعرية كأنها تتلذذ بالحكي، هي لا تنقل حكاية بقدر ما تنقل حدثًا سرديًّا شاعريًّا، ولهذا لم تستخدم آليات السرد المعهودة من نقل لحالة الشخصية، أو صياغة أحداث متتالية من حدث رئيسي، أو تبدأ وتنتهي وتعلي من ذروة الأحداث، ولكنها تستمع بالكتابة، ولذلك جاءت جمل القصة في أغلب الأحوال شاعرية، بل إنها تستلهم من الشعر استعاراته وصوره وتشبيهاته وأخيلته.
لكن هل نحن بإزاء قصة قصيرة في التحليل الأخير؟
على اليقين هي قصة كاشفة ، اعتمدت على اللغة الشاعرية وعلى الترميز، وعلى آليات التكثيف والحذف، نحن لا نعرف من ضاربة الودع أو قارئة الفنجان، أو البصّارة كنه حياتها أو اسمها أو تفاصيل معيشتها، لكن نحن شخصية رمزية تقدم قصة حب، وتستدعي برومانسية ما الحبيب الغائب أ المتخيل، ومن هنا حققت القصة قدرا من الرمزية الأولية، التي تعانقنا سرديا بتأويلات أولية، وهناك ممهدات لحدث الكشف عن الغائب عبر (الودع) ولكن بشكل شاعري:
حملت حبوب البن جنينا مخضر العود برائحة المحبوب، ألقتها على السطح الملتهب، تتقلب على نار حنين استعرت بداخلها، وحصدته بمحماس الكف الآخر صبرا أشقر ، للذكرى رائحة تزكو ، ت}جج تفاصيل تشكو ” هذا تمهيد مغري قبل الحدث الرئيسي الذي ستقوم به ضاربة الودهع بالكشف عن الحبيب الغائب حين تفك صرتها ثم تستعمل مضرب الهاون والدقات الأربع.
من الجميل هنا أن تقلنا الكاتبة إلى هذا التراث التقليدي الفولكلوري الشعبي، وتنقل طقوسه موظفة إياه في مشهد رومانتيكي حالم، وتنقل الضربات الأربع مقرونة بغناء ما، أو تمنيات ما تنطق بها ضاربة الودع، وتنقلنا من الضربة الأولى حتى الضربة الرابعة، بشاعرية وحيوية حدثية متتابعة، كما نرى في هذه الأفعال المتعددة:
” تحتاج إلى أربع دقات: تدوي الأرض، تشق المدى، يجوب صداها الجهات الأربع، جمعت هيلها، وشوشته، قبلته، رمته لينطحن تحت مضراب مصيره” وتظل تتابع القاصة هذه الطقس الفولكلوري حتى نهايات القصة، لتختتم بمشهد شاعري للأمنيات والتمني:
” أقبل يا مهجة الروح
سأمل الأرض بأمطارها
ازرعني قبلة على جبين الصحراء
واحصدني امرأة من عشق
اعصف بهذا الجسد، واذره وفاء، يحيل السراب ماء، ويزرع في قلب الجفاف واحته، اسقني من شفتيك شهدا يمانيا، ومن عينيك حلاوة، تذيبني إذا ما أشرقت شمس وتتوهني في سواد الليل عمرا من الأروقة المثيرة”
هذه الأمنيات بالفعل تتحرك في هذه الحالات الطقسية الفولكلورية بكل رمزياتها، هي تعبر عن هذا الحنين الدفاق الذي لا يراوده سوى قسط من الأمنيات وهي التي تروض مثيراته، وجنونه، وتجعله يدخل في حالة رومانتيكية تهدئ من فورته قليلا، وتعطيه مسافة من الحلم والتأمل، وتحقق له رضى معنويا مهما.
وهنا تصل القاصة لمشهد الختام في سطرين: ” ارتوت.. وهزت فنجالها، انتهت رشفة فنجالها ، قلبته، حبست جسد الذكرى بداخله، وكلما جنّ الليل، وزاد الاشتياق هزته، واكتفت” .
هنا انتقلت الشخصية داخل القصة من حالة التوتر والقلق التي واكبت حالة الكشف عبر الودع والبن المحموس والفنجال والهاون، إلى حالة من الاطمئنان الرومانتيكي الحالم، وكما هناك في القصة القصيرة نوع من التوتر وتعدد مستويات السرد، هناك في الحدث أيضا هذا التوتر من حدث بسيط إلى خفيف إلى كبير ، تنوع السردات وتنوع الأحداث يعطي قدرا من الدرامية للعمل القصصي، وهو ما تيقن تماما في قصة :” تعويذة الصحراء” لأنوار السعد
على أن هناك نقطة مهمة في كتابة مثل هذا النوع الشاعري من القصص، تتمثل في عدم الاستغراق في هذه الشاعرية حتى لا تقلنا خارج الوعي السردي، وحتى لا تأخذنا بعيدا عن حدث القصة الرئيسي أو أحداثها وشخصياتها، لأن اللغة الشاعرية بها قدر كبير من الغواية التي قد تجعل الكاتبة تستغرق بها دون العناية بالجزئيات الداخلية للسرد القصصي.
إن ( تعويذة الصحراء) قصة ذكية مبدعة بما تنطوي عليه من مستويات سردية ومن استلهام لعناصر الفولكلور، ومن رمزيات خصبة متعددة ربطت ما بين الرومانتيكي الحالم، والغرائبي الشعبي، وهو ربط أتى بشكل متجانس، وبديع، ومدهش.