من أربيل إلى القاهرة.. مرحلة جديدة في الدبلوماسية الكوردية
د. بەهات حسيب قرەداخي
في ظروف إقليمية بالغة الحساسية والتعقيد، انعقد اجتماع خاص على مستوى القمة للتعاون السياسي والاقتصادي والطاقة في قلب الشرق الأوسط( القاهرة). فزيارة رئيس وزراء إقليم كردستان مسرور بارزاني لجمهورية مصر العربية لها ثقل استثنائي، وهي أكثر بكثير من مجرد زيارة بروتوكولية، ويُتوقع أن تتبعها تداعيات سياسية واقتصادية هامة قريباً. تُعد هذه الزيارة دليلاً على فهم وقراءة دقيقة ومعمقة من قيادة كردستان للتطورات والمستجدات الإقليمية والدولية، وهي استجابة ذكية لمعطيات ومتطلبات مشروع إعادة صياغة شرق أوسط جديد وتوسيع الشراكات مع مصر، المعروفة بقلب الوطن العربي.
تحليل سريع لأهمية هذه الزيارة:
أولاً: توقيت الزيارة
یأتي لقاء رئيس الوزراء مسرور بارزاني بالرئيس عبد الفتاح السيسي، في وقت تستمر فيه مؤشرات الأزمات والتوتر في الشرق الأوسط في الارتفاع و الصعود منذ عامين: من الحرب والدمار الهائل في غزة، إلى کل تداعيات تلك الحرب الدموية التي شملت أيضاً لبنان وسوريا والعراق واليمن وإيران وإسرائيل، والتي لا تزال شعوب المنطقة تدفع ثمنها الباهظ حتى الآن. كان لاستمرار تلك التوترات ، تأثيرا كبيرا على سوق الطاقة العالمي ولا يزال. في هذا السياق، برزت جمهورية مصر العربية كفاعل إقليمي رئيسي ومؤثر، خاصة وانها تلعب دور مركز مهم في عملية نقل الغاز الطبيعي السائل (LNG) نحو أوروبا. لذا فإن توقيت زيارة مسرور بارزاني دليل على وعي استراتيجي يربط الاستقرار السياسي بأمن الطاقة، لأن الغاز الطبيعي اليوم وللعقود القادمة هو ذلك العنصر والعامل الأساسي الذي سيحدد موازين القوى والتحالفات في المنطقة.
ثانياً: دوافع هذه الزيارة
لا شك في وجود رغبة مشتركة بين الطرفين لتعميق العلاقات مابین إقليم كردستان ومصر في قطاعات (الدبلوماسية والسياسة والاقتصاد والطاقة) . يمتلك إقليم كردستان احتياطياً واعداً من الغاز الطبيعي، ويخطط ضمن رؤية استراتيجية لتطوير هذا القطاع المصيري بهدف تنويع مصادر الدخل وتطوير البنية التحتية للإقليم من خلال تعزيز العلاقات والتعاون الإقليمي. في المقابل، تمتلك جمهورية مصر العربية خبرة وتجربة متقدمة في إدارة حقول الغاز وتوفير البنية التحتية للنقل. هذا بالإضافة إلى مكانة وثقل مصر في (منتدى غاز شرق المتوسط) وهو إطار إقليمي للتنسيق والتعاون السياسي في قطاع الغاز الطبيعي. يتكون المنتدى من دول منتجة ومستهلكة والدول التي وفرت البنية التحتية وطرق العبور: ( مصر، الأردن، فلسطين، إسرائيل، قبرص، اليونان، وإيطاليا، بالإضافة إلى فرنسا) و تلعب جمهورية مصر دوراً محورياً في هذا المجال بفضل ملاءمة بنيتها التحتية وموقعها الجغرافي. استطاع المنتدى تحويل قطاع الغاز الطبيعي من عامل توتر وصراع إلى أداة للتعاون الاقتصادي والاستقرار والتوازن السياسي في شرق المتوسط.
ثالثاً: أهداف هذه الزيارة
الهدف الرئيسي من هذه الزيارة هو تعزيز وإعادة تنظيم التنسيق السياسي وبناء شراكة اقتصادية أوسع مما هو موجود حالياً، خاصة في قطاع الطاقة والغاز الطبيعي. إنها أيضاً محاولة لخلق فرص الاستثمار للشركات المصرية داخل إقليم كردستان، خاصة في مجال بناء البنية التحتية للطاقة والموارد الطبيعية، وبذلك يُضمن أمن الطاقة للطرفين. علاوة على ذلك، فإن هذه الزيارة على هذا المستوى الرفيع لها بُعد استراتيجي يتمثل في حضور فاعل ومؤثر لإقليم كردستان ضمن شبكة التعاون الإقليمي للطاقة، مما يساعد على ترسيخ الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي لإقليم كردستان في السنوات القادمة.
الخبر الثقافي موقع يهتم بكافة النواحي الثقاقية بمختلف مجالاتها وتغطية الأخبار الفنية .