أخبار عاجلة

عبدالله السمطي: سردية موجزة عن بداياتي مع النقد الأدبي

 

     عبدالله السمطي

( شاعر وناقد من مصر)

(1)

كنت في مرحلة الثانوية العامة أسمع عن الناقد الكبير عبدالقادر القط وأسماء نقدية أخرى كنت أقرأ لها مثل: عباس العقاد والمازني وحسين المرصفي وطه حسين وزكي مبارك وفتنت بكتاب الناقد الكبير عز الدين إسماعيل: الأدب وفنونه.. كنت أقرأ في مرحلة الثانوية لعدد من النقاد قراءة طالب علم لا قراءة ناقد بالطبع فلم أكن أعرف أن هذه الكتب التي أقرأها لهؤلاء هي كتب نقدية بل كتب في الثقافة العامة .. لهذا كنت أواظب على قراءة ما يقع في يدي من مثل هذه الكتب وأيضا المقالات المنشورة في مجلة الدوحة التي كان يرأس تحريرها الناقد رجاء النقاش ومجلة إبداع ومجلة الشعر التي كان يرأس تحريرها الدكتور عبده بدوي .. فضلا عن مجلتي الطليعة والأقلام العراقيتين ومجلة: الكرمل التي كان يرأس تحريرها الشاعر محمود درويش . قبل أن أكتشف مجلة فصول في مرحلة الجامعة.
كانت هذه القراءات تعطيني قدرا من المعرفة خاصة فيما أود معرفته عن الشعر واساليبه وطرق كتابته وأنسجته وأشكاله .

(2)
لأنني كنت أعمل في الإجازات الصيفية مع والدي وإخوتي بالمعمار والإنشاءات، كنت أشتري من يوميتي التي أحصل عليها وكانت تتراوح بين 2-4 جنيه يوميا بعض الكتب والمجلات التي تباع بسوق الخميس بالمطرية ووقعت على كنوز منها .. فضلا على المجلات الأدبية التي كنت أواظب على شرائها شهريا: الدوحة، الطليعة، الاقلام، العراقيتان الهلال، إبداع، ومجلة الشعر الفصلية .. وقد وقعت على مقالات نقدية رائعة في هذه المجلات.
ومن الطريف أنني اشتريت نصف كتاب أو بقايا كتاب هو: الرمز والرمزية في الشعر المعاصرللدكتور محمد فتوح أحمد من سوق الخميس بخمسة قروش وقرأته وتعرفت على بعض المصطلحات النقدية واستمرت معي هذه البقايا حتى اليوم حتى قرأت الكتاب كاملا أثناء الدراسة الجامعية.
لم أكن أعرف أبدا أنني سأتجه للنقد الأدبي .. كان مصير حياتي كلها معلقا بالشعر .. الشعر فقط .. لهذا لم أتوقف عن كتابة الشعر بشكل يومي والعمل على تطوير نفسي ذاتيا بقراءة جل ما أنتجه العرب من شعر قديما وحديثا.
لكنني حين بدأت في خوض تجربة نشر الشعر بعد أن تهيأ لي أنني أصبحت شاعرا .. قمت بإصدار ديوان شعري لبداياتي الشعرية المتواضعة المترعة بالأخطاء في الصف الثالث الثانوي ..

(3)
كان أول مرة يظهر فيها اسمي في جريدة الجمهورية بصفحة ثقافية يشرف عليها الدكتور فتحي عبدالفتاح سنة 1984 ثم بدأت في الظهور ببريد القراء بمجلة الهلال مع مشاغبات نقدية مع الاستاذ كمال النجمي مشرف باب: أنت والهلال، مع مقاطع شعرية مختلفة ثم بمجلة اسمها القافلة ثم بصفحة الأدب بجريدة الأخبار بقصيدة عن محمود درويش أشاد بها مشرف الصفحة. ثم بدأ الانطلاق في عالم نشر الشعر حتى بلغ ما نشرته خلال الفترة ما بين 1986-1989 أكثر من ستين قصيدة.. وكنت خلال هذه الفترة نهما في القراءة ومخلصا جدا حتى 15 ساعة يوميا مع مداومة كتابة جميع أنواع الشعر وأشكاله ربما لأكثر من 10 قصائد أحيانا أو 15 قصيدة وما زلت أحتفظ بكراتين الشعر الأولى ودفاتره حتى اليوم

(4).

كانت حياتي كلها شعر في شعر على شعر قراءة وأمسيات شعرية وكتابة .. حياة شعرية كاملة لا أضيع فيها وقتا أبدا .. بدأت أتعرف فيها على جل الطرق الشعرية وأغلب الأسماء الشعرية المصرية في الساحة.. وكان المركز الثقافي العراقي بدأ في بيع كتبه وإصداراته بالقاهرة وكانت هيئة الكتاب تصدر سلاسل مخفضة السعر، كذلك سلاسل عالم المعرفة ومجلة العربي الكويتية، وفي الثانوية العامة لم أكن أعرف عن القاهرة العاصمة شيئا .. أو أن هناك مكانا اسمه : وسط البلد حتى اصطحبني يوما بعض الزملاء إلى وسط القاهرة .. فوجدت مصر أخرى وشوارع أخرى وبنايات بطراز أوروبي ودنيا ثانية لم أكن أسمع عنها من قبل.
مع احتكاكي بالأمسيات الشعرية بالقاهرة ومع عدد كبير من الشعراء : شعراء الفصحى والعامية والزجل وشعراء من مختلف الأجيال كنت أذهب إلى ندوة قصر ثقافة الغوري يوم الأربعاء والرابطة الإسلامية الأحد وندوة المساء أظن الثلاثاء أو الخميس وقصر ثقافة مصر الجديدة ورابطة شعراء العروبة بجمعية الشبان المسيحية بشارع الجمهورية وبعض الندوات الأخرى . وكانت التعليقات النقدية التي تقال عن القصائد الملقاة مصدر تفكير .

(5)
في كلية الآداب جامعة عين شمس كان هناك عدد كبير من كبار النقاد الذين كنت لا أحلم حتى بمقابلتهم. على رأسهم شيخ النقاد الدكتور عبدالقادر القط الذي تعرفت عليه وأنا في السنة الثانية بقسم اللغة العربية وقد ساعدني كثيرا حيث كنت أعرض عليه قصائدي ونشر لي أول نص شعري معتبر في مجلة إبداع. 
كان القسم يحوي من الأسماء النقدية واللغوية المعروفة: مصطفى ناصف، لطفي عبدالبديع، احمد كمال زكي، محمد عبدالمطلب، صلاح فضل، عز الدين إسماعيل ، عاطف جودة نصر، وعدد آخر من الأساتذة.استفدت نقديا من هؤلاء جميعا في سنوات الدراسة وبدوت أكثر تركيزا مع منهجين: البنيوية والأسلوبية .

(6)
حين قام الدكتور صلاح فضل بتدريسنا مادة الأدب المقارن في السنة الثالثة ثم مادة النقد الأدبي الحديث في السنة الرابعة، وجدت أن هناك شيئا مختلفا غير ما قرأته من نقد حتى ما كان يكتب قبلا : لا غنيمي هلال ولا السحرتي ولا رجاء عامر ولا حتى جيل طه حسين كله ولا مؤنس ولا العالم ولا محمد مندور ولا حتى شوقي ضيف .. كانت هناك لغة مختلفة أصبحت أكثر صعوبة مع قراءاتي لكمال أبو ديب ثم كتاب صلاح فضل عن البنيوية وكتاب زكريا إبراهيم مشكلة البنية وكتب عبدالسلام المسدي وعشرات الكتب التي ظهرت عن البنيوية والأسلوبية .. خاصة من المغرب العربي .. هناك لغة جديدة ونقد جديد. كان صعبا جدا في بداياته .. فآثرت أن أتتبع أغلب ما يكتب عن هذه المناهج في الكتب والدوريات وكانت فصول على رأس هذه المجلات.
حتى السنة الرابعة بالجامعة كنت قد استوعبت الفكرة.. خاصة مسألة الفارق السوسيري بين النظام والكلام، والمفاهيم الجديدة كالبنية والدلالة والسيمياء والفاعل والفاعلون والجشتطالت وبنية السطح وبنية الأعماق وبنية الحكاية عند نورثروب فراي وكانت الأسماء النقدية المتداولة وقتها من بارت إلى كريستيفا إلى ديريدا إلى فوكو وباختين وتودرورف وتيري إيجلتون وإيهاب حسن وإدوارد سعيد وغيرهم أكثر الأسماء التي أقبل على قراءتها وفهم ما تجود به.

(7)
وأنا في السنة الرابعة بالجامعة بدات أكتب بعض الدراسات النقدية .. كان ما يكتب عن بعض شعراء جيل الثمانينيات بعض التعليقات النقدية البسيطة.. بل كان ما يكتب من نقد يركز على الأسماء الكبيرة المعروفة .. ولا يلتفت لجيل الشباب إلا بالقدر اليسير .. كنت مشبعا بالمناهج الحداثية في النقد .. كانت لغة الخطاب النقدي جديدة ومغرية على الرغم من صعوبتها.. لكنها كسرت هذا الركام الانطباعي الهائل من مقالات ودراسات كانت تنشر . وأصبح النقد أكثر منهجية وعلمية. 
حين نشرت دراستي الأولى بمجلة إبداع : البنى الوصفية في قصيدة الحداثة 1989 ثم البنية والدلالة في شعر حسن فتح الباب ( مجلة الشعر 1990) تحفزت للانطلاق إلى عالم النقد مدفوعا بقراءات مكثفة، وبنقاشات مباشرة مع كبار النقاد الذين تتلمذت على معارفهم الفكرية والنقدية.
خلال الفترة 1990-1995 كنت قد نشرت عشرات المقالات والدراسات النقدية. كان البعض يستصعب اللغة التي أكتب بها. كنت أريد ان اقول إن هناك لغة نقدية مختلفة لابد أن تطرح.. يطرحها النقاد الحداثيون ويطرحها جوهر العمل الإبداعي التجريبي أصلا. 
رفضت العمل بالتدريس وتوجهت للصحافة التي وجدت فيها مجالا كبيرا لنشر المقالات النقدية القصيرة .. كانت البداية بأكبر جريدتين عربيتين بعد الأهرام: الحياة والشرق الأوسط معا وفي وقت متزامن.

(8)
بعد أن أنهيت الخدمة الإلزامية للتجنيد في يونيو 1991 بدت الحياة أكثر اتساعا .. والوقت أكثر رحابة .. وجاءني خطاب التعيين في وزارة التربية والتعليم مدرسا للغة العربية .
رفضت استلام الوظيفة ، وجاءتني وظائف كثيرة في دور نشر وصحف ومجلات بل وإذاعة وتليفزيون ، رفضت أن أكون موظفا مرتبطا بدوام وحضور وانصراف، واتجهت للصحافة الحرة بدأب .. وتفرغت تماما للكتابة: الشعر، والنقد، والصحافة .. كانت المجلات الكبيرة مطمحي خاصة فصول، ولم أتمكن من النشر فيها إلا بعد أن تولى الدكتور جابر عصفور رئاسة تحريرها في العام 1993 أو 1994 على الرغم من أنني ملأت الدوريات الأدبية خاصة الثقافة الجديدة، وإبداع ( أيام القط) والشعر مع الاستاذ أحمد هريدي، وشؤون أدبية، والقاهرة مع الدكتور غالي شكري وغيرها من المجلات نقدا .. مع صحف: الشرق الأوسط، الحياة، الرياض، المساء، الجمهورية، الأهرام المسائي أحيانا وغيرها .. وكان من أبرز ما كتبته : حركية السرد الغرائبي، إشراقات رفعت سلام دراسة في البنية، جماليات الزمن النصي عند محمود درويش، جماليات الصورة السردية في كتاب الأغاني. ..الإحالي والمتعين وجدل المواضعة الجمالية في قصيدة الحداثة وعشرات المقالات والدراسات الأخرى.
من الطريف أنني كنت اذهب لسوق الخميس لشراء الكتب وأحيانا سور الأزبكية وأطوف على المكتبات العامة للقراءة.. لكن بعد انهماكي في النقد 
بدأت تتوافد علي إهداءات الكتاب والمبدعين والمبدعات والشعراء من مختلف الأجيال .. مع ذلك لم أقطع عادتي في الذهاب للمكتبات واقتناء بعض الكتب. خاصة لأصدقائي ولم أكن أنتظر الإهداءات كثيرا .. وكان الكتاب الجديد يصدر وفي الأسبوع نفسه أجدني قد نشرت عنه مقالة أو دراسة في إحدى المجلات أو الصحف.
لم أكن أعرف أن نشر المقالة أو الدراسة يتم مقابل مكافأة .. ولم أكن أعرف أن الكتابة النقدية تتم وفق معرفة سابقة بين الأديب والناقد فقد كتبت عن عدد كبير من الأدباء دون أن أعرفهم شخصيا .. وهذا ربما .. ربما كان يعد أمرا جديدا في الساحة الأدبية . لكنني أعتبره أمرا عاديا جدا بل من واجب الناقد أن يقوم به .

(9)

درست المنهج البنيوي على يد الدكتور صلاح فضل في السنة الرابعة بكلية الآداب جامعة عين شمس، من خلال كتابه عن البنيوية الذي أصدره في العام 1980 على ما أذكر أو قبل ذلك بعام وأشار فيه إلى وجود دراسات سابقة حول البنيوية هي: مشكلة البنية لزكريا إبراهيم 1978 وجدلية الخفاء والتجلي لكمال أبي ديب 1979 ودراسة هيكلية في الشعر لنازك الملائكة.. كان كتابه الرابع في الترتيب وقام بتدريسه لنا في الجامعة. كما درست على يديه أيضا الأسلوبية من خلال كتابه:” علم الأسلوب مبادئه وإجراءاته” وأيضا عبر كتاب للدكتور محمد عبدالمطلب عن البلاغة والأسلوبية .. هذا كان في السنة الرابعة .. فضلا عن كتابين في النقد الأدبي الحديث للدكتور إبراهيم عبدالرحمن وكتاب: الاتجاه الوجداني في الشعر العربي المعاصر الذي قرره علينا الدكتور عبدالقادر القط .
لم تكن لدي مشكلة دراسية أبدا بالنسبة لدراسات النقد التقليدي ولا البلاغة ولا العروض ولا فنون تلقي النص أو غيرها من المناهج والقراءات كانت مشكلتي مع البنيوية والأسلوبية. وهذا دفعني إلى العودة لقراءة أبرز ما كتب عن البنيوية حتى أفهمها تماما وكانت تمثل مصدر صعوبة في البدايات خاصة وأن حبيبنا رولان بارت كان وراء المشكلة.
فعدت لقراءة ما كتبه كمال أبو ديب: جدلية الخفاء والتجلي، في البنية الإيقاعية لعروض الخليل، كتابه الرؤى المقنّعة عن دراسة الشعر الجاهلي بنيويا، كتاب عبدالله الغذامي : الخطيئة والتكفير وكتابات كثيرة منشورة في مجلات الطليعة وفصول والفكر العربي وكتابات لنقاد من العراق ولبنان والمغرب. ومع القراءة المكثفة الواسعة بالورقة والقلم الرصاص .. والحفظ والنسخ بدأت معالم هذا المنهج تتضح لدي تماما .. بموازاة قراءاتي في الأسلوبية والاسلوب.. من أحمد الشايب حتى عبدالسلام المسدي.