*لو كان بيننا ﷺ*
الحلقة الأول
*الاكتئاب والقلق*
_كيف يعالج الهدي النبوي أمراض النفوس في زمن الضغوط_
✦ ✦ ✦
في زحام الأيام، ومع دقّات الساعة التي لا ترحم، كم مرة استيقظتَ وفي صدرك ثقلٌ لا تعرف مصدره؟
نظرتَ إلى هاتفك، فغرقتَ في بحرٍ من المقارنات التي تسرق منك الرضا، وأخبارٍ تُثقل الروح، وشعورٍ خفيّ بأن الحياة تفقد بريقها يوماً بعد يوم… وأن اليوم لا يختلف عن الأمس إلا ببهتان شمسه.
أبشرك… أنت لست وحدك.
ملايين القلوب حول العالم تشاركك هذا الشعور. يغتالها الإحباط، ويتسوّر عزيمتها الاكتئاب، ويحاصرها قلقٌ لا ينام.
✦ ✦ ✦
*نتساءل أحياناً:*
لو كان بيننا اليوم حبيبنا محمد ﷺ… كيف كان سيتعامل مع قلوبنا المتعبة؟ كيف سيداوي أرواحاً أرهقتها ضغوط الحياة، وشعورنا المتزايد بالعزلة، وخوفنا من الاعتراف بالضعف؟
*تخيّل معي…*
لو دخل المصطفى ﷺ عيادةً نفسية في إحدى مدننا اليوم. لا يدخل ليعالج، بل ليسأل عن أحوالنا. يجد غرفة الانتظار مليئة بوجوه مرهقة ونظرات تائهة. ربما جلس بجوار شاب أرهقته الشاشات وأنهكته المقارنات، فوضع يده الشريفة على كتفه برفق، وسأله بقلبٍ يفيض رحمة:
“ما الذي يؤلمك يا بني؟”
لن يلوم. لن يؤنّب. لن يحكم. بل سيستمع… بقلبٍ حاضر، وعينٍ ترى ما وراء الكلمات.
✦ ✦ ✦
*لقد عاش ﷺ ما هو أشد مما نعيشه.*
عاش عام الحزن، وبكى لفراق أحبته. فقد خديجة — سكنه وأول من آمن به. وفقد أبا طالب — درعه وحصنه. وذهب إلى الطائف فرُمي بالحجارة حتى أُدميت قدماه الشريفتان. ومع كل ذلك… عبّر عن حزنه دون خوف من مجتمع يقمعه أو يوصمه بالضعف.
فحين مات ابنه إبراهيم بين يديه، قال:
« إن العين تدمع، وإن القلب يحزن، ولا نقول إلا ما يُرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون »
— صحيح البخاري
علّمنا بهذه الكلمات أن الحزن ليس ضعفاً في الإيمان، بل هو جزء من إنسانيتنا التي خلقها الله. وأن التعبير عن الألم بصدق مع التسليم لقضاء الله — هو جوهر السكينة، لا نقيضها.
بكى نبيّكم ولم يُقَل له إيمانك ضعيف… فلماذا نقولها لمن يتألم بيننا؟
وكان ملاذه الحقيقي في الشدائد هو الصلاة. لم تكن عبئاً يُؤدّى، بل كانت واحة راحة ومصدراً للطاقة الروحية التي تُعيد للقلب طمأنينته. ولذلك كان يقول لبلال:
*« أرحنا بها يا بلال »*
— سنن أبي داود
تأمّل: لم يقل “أرحنا منها” — بل “أرحنا بها”. فرقٌ هائل بين من يرى العبادة تكليفاً ثقيلاً، ومن يراها نَفَساً يُعيد إلى الروح حياتها.
ثم تأمل دعاءه ﷺ الذي كان يردده:
*« اللهم إني أعوذ بك من الهمّ والحَزَن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضَلَع الدين وغلبة الرجال »*
— صحيح البخاري
الهمّ — القلق من المستقبل. الحزن — الألم على الماضي. العجز والكسل — فقدان الطاقة والدافعية. وكلها أعراض يعرفها الطب النفسي الحديث كعلامات رئيسية للاكتئاب والقلق.
وصف ﷺ المرض بدقة مذهلة قبل أن يُصنَّف طبياً بأربعة عشر قرناً.
✦ ✦ ✦
ولم يكتفِ بمعرفة الداء، بل كان يعالجه بيديه الشريفتين.
كان ﷺ يتفقد أصحابه واحداً واحداً. يسأل عن الغائب، ويزور المكروب، ويجلس مع الحزين. وحين جاءه رجل يشكو قسوة في قلبه، لم يوبخه ولم يلُمه، بل أعطاه وصفة من كلمتين غيّرت حياته:
*”امسح رأس اليتيم، وأطعم المسكين.”*
أي: اخرج من سجن ذاتك. حين تنشغل بألمك وحدك يكبر الألم حتى يملأ العالم كله. لكن حين تمد يدك لإنسان آخر يتألم، يحدث شيء عجيب: ينكسر القيد، وتعود الروح إلى الحياة.
*وهذا العلاج ليس حكاية من الماضي فحسب… بل أراه حياً بين الناس.*
كان لي صديقٌ قد جاوز السبعين — أطال الله عمره — لا يمر بإنسان يحمل ما يُثقله في الطريق إلا سارع لمساعدته حتى يوصله إلى وجهته. سألته يوماً: ألا تخبرني قبل أن تذهب؟ فأنا أشد منك عوداً!
فابتسم وقال:
*”إنما الشدة من الله… جاء يسألني! أفأترك الخير يفوتني؟”*
لم أرَ الاكتئاب يقترب من قلب ذلك الرجل منذ أن عرفته. كان العطاء درعه، والخدمة دواءه، وابتسامة المحتاج وقود روحه.
*فالعطاء باب للعلاج… إن أدركته*
✦ ✦ ✦
فإذا تواطأ عليك الحزن، وباغتك الهمّ، وأطلّ الاكتئاب برأسه عليك… فسارع إلى العطاء. بكلمة طيبة. بنصيحة مخلصة. بصدقة بنية صادقة. بمساعدة — أي مساعدة — مهما صغرت. فإن في يدك الممدودة شفاءً لقلبك قبل أن تكون شفاءً لغيرك.
*فهل نُدرك أن هديَه ﷺ ليس مجرد تاريخ نقرؤه ونمضي؟*
إن في سنته شفاءً لقلوبنا، ورحمةً لأرواحنا، وقوةً تُعيننا على مواجهة ما لا نستطيع مواجهته وحدنا.
*فماذا لو بدأنا اليوم؟*
ماذا لو أعدنا اكتشاف هذه الرحمة النبوية، وطبّقناها في حياتنا — في بيوتنا، ومع أبنائنا، وفي نظرتنا لمن يتألم حولنا — لنجد السكينة التي وعدنا الله بها…
*أسامة العمري*
الخبر الثقافي موقع يهتم بكافة النواحي الثقاقية بمختلف مجالاتها وتغطية الأخبار الفنية .