تتجلّى انبثاقات العمل الشعريّ في الرؤية المتجسدة في طريقة صياغة كلماته، وفي ما يبثه الشاعرُ من عبارات شعرية متتالية عبر القصيدة. إن هذه الصياغة هي التمثّل الأول لقدرة الشاعر على تقديم رؤية شعرية مختلفة، الصياغة هي التي تهبنا الأسلوب والنهج والطريقة والملامح والظاهرة ، فيما هي تُسمّي لنا النسيج الشعريّ الذي ينسجه الشاعرُ ويقوم بتشكيله .
وتتنوعُ الصياغات بتنوع الشاعرات والشعراء، والطرق التي يصوغون بها عباراتهم الشعرية هي الطرق التي ارتاحوا إليها واتخذوها مذهبًا للكتابة الشعرية، يضيفون عليه أو يوسعون من دوائر تطويره مرحلة بعد أخرى، تبعًا للنهج الذي يرسمونه لتجاربهم الشعرية، ولاجتهادهم الإبداعي، وسعيهم صوب التميز والاختلاف والمجاوزة، وتبعًا للسياق الشعريّ العام الذي تطرحُهُ الموجاتُ والاتجاهاتُ والأجيالُ الشعريةُ الجديدةُ .
إن هذه الصياغات هي المثلُ التطبيقية للوعي الشعريّ، وللمعرفة بكوامن الشعر ومكامنه، فالصيغةُ الشعرية التي ينهض بها الشاعرُ نتاج ما رأى وأدركَ ، وقرأ واستلهمَ وتمثلَ من معارف، فضلا على ما تحفزه مخيلته الشعرية من رؤى حالمة أو مخايلة أو متأملة في كيفية طرح صيغة شعرية متميزة.
إن في كل بيت شعريّ ، في كل سطر، في كل صورة أو مشهد شعريّ هناك نوعٌ من البحث التلقائي العفويّ المدهش صوب الابتكار.
هذا ما يفعله الشعراءُ الخلّاقون، وهذا ما يجيدهُ المبدعون من الشعراء.
أن تصوغَ جملةً شعريةً متقنةً في موضعها الذي تؤثرُ فيه وسط السياق الشعري للقصيدة، وفي عدم نبوّها واختلافها الهارمونيّ المتجانس مع رؤى القصيدة. أن تصوغ هذه الجملة فأنت ، على اليقين، تتحركُ بوعيٍ وبدأب وبطاقة شعرية متميزة فعالة.
ولا يولّدُ الشاعرُ هذه الصياغة أو تلك في الفضاء الشكليّ للقصيدة بشكل طليق حر تماما، فهناك صيغٌ مقيّدٌ بها خاصة في فضاء الشعر البيتيّ العمودي، فهو يمضي وفق القيم البلاغية والجمالية التي تطرحها القصيدة العمودية والتفعيلية والنثرية، وهي قيم ابتدعها الشعراءُ وحدهم لا القراء ولا السياق ولا المناخ الثقافي بالضرورة.
فالتقاليدُ الشعريةُ ليست نتاجا مجتمعيا أو نتاجا حضاريا محددا، بل هي نتاج اجتهاد الشعراء واستلهاماتهم في الدرجة الأولى، والناقد والقارئ والمجتمع الثقافي بوجه عام هم تابعون لما يطرحه الشعراء من أشكال، فلا دخل لهم بالعملية الإبداعية، إنما الشعراء وحدهم هم من يبتكرون قيودهم الفنية وتقاليدهم الإبداعية وهم أحرار – كما في كل فن – في ابتداع ما يرونه وما يعبر عن مثلهم الفنية واستقصاءاتهم الشعرية. ربما يراعون المناخ العام، والهمّ العام للقراء، لكن – على اليقين – هم يختارون الشكل والصيغة والطريقة والمعجم والتوجه والخطاب الشعري الذي يرغبونه بكل حرية وطلاقة.
ومن المؤكد أن كل شكل شعريّ يمنح الشاعر قدرًا من أساسات الصياغة الفنية، تبعا لتراكماته الكمية والنوعية وانبثاقاته كذلك. لكن هذه الأساسات الصياغية هي أساسات عامة تشكل الخبرات المعرفية الضرورية للشاعر وهي التي ينطلق منها لتكوين نسيجه الشعري وتشكيل تجربته الشعرية، فيما يسعى بعد ذلك إلى ابتكار قصيدته الخاصة وعالمه الشعري المتميز، حتى لو خاصم نهائيا هذه الأساسات وعمل على تدميرها ليبدأ من جديد .
وما يمنح الشاعر القدرة على التميز هو التجريب الشعري لأن الوقوف عند مكونات الأشكال السابقة لن يضيف جديدا لعالمه الشعري ولن يستطيع الإسهام بشكل كبير في التحولات الشعرية ولن يستطيع الإسهام بشكل كبير في التحولات الشعرية . التجريب عن وعي ودراية ومعرفة، ضروري للإبداع الشعري، ويرتهن بمعرفتي النموذجية بالأشكال السابقة والراهنة حتى يتسنى لي كشاعر أن أخالفها أو أتضاد معها أو أطورها .
ويرى أدونيس إن ” الشعر التجريبي العربي هو وحده الشعر الجديد، وهو وحده الشعر الثوري . إنه ألولا ليس متابعة ولا انسجامًا ولا ائتلافا، وإنما هو على العكس اختلاف، وهو ، ثانيا: بحث مستمر عن نظام آخر للكتابة الشعرية، وهو، ثالثا: تحرك دائم في أفق الإبداع، لا منهجية مسبقة، بل مفاجآت مستمرة، وهو، رابعا: ليس تراكما، كما هي الحال في المجالات الاقتصادية والاجتماعية، بل بداية دائمة، فقيم الإبداع الشعري ليست تراكمية، بل انبثاقية، وهو، أخيرا: تحرك دائم في أفق إنساني ثوري من أجل عالم أفضل، وحياة إنسانية أرقى ” ( أدونيس: زمن الشعر، دار العودة، بيروت، الطبعة الثالثة 1983 ص 289 )
إنّ التجريبَ الدائم النشط يمنح المخيلة الشعرية حيويتها، وينعكس بالتالي على شكل الصيغة، مع كل تجريب جديد تنبثقُ صيغة شعرية مختلفة، وطريقة صياغة متميزة، تصبح مألوفة ومعهودة بعد ذلك فيما يتواتر من قصائد وما يستجد من نصوص، تشكل سياقا شعريا عاما يصبو بعد ذلك إلى تجريب آخر متجدد وهكذا في سلسلة إبداعية لا تتوقف عند حد.
الخبر الثقافي موقع يهتم بكافة النواحي الثقاقية بمختلف مجالاتها وتغطية الأخبار الفنية .