
(1-2)
عبدالله السمطي
(شاعر وناقد من مصر)
تنتظمُ آليات الكتابة لدى المبدعة وفاء أحمد في فضاء المنطقة المشتركة ما بين الشعر والسرد، وهي تصطفي هذا الفضاء الكتابيّ من أجل توسيع حدقات الكتابة، ورحابة الأداء التعبيريّ المتّشح بشاعرية خصبة تبتكرها الذات الشاعرة / الساردة معًا.
وفي ظلال هذا الوعي فإن الكتابة هنا هي كتابة حالة، تمتزج فيها وتتهجّنُ آليات الشعر مع آليات السرد، وهو ما يضفي على كتابتها سمة الحيوية والحراك التعبيري الذي يقلنا إلى مساحة كتابية مختلفة تتعزز بالصور والتشبيهات والمشاهد والمفارقات، إنها استعارة كبرى خارج النمط، وخارج الأسوار، وداخل عمق الذات .
في كتابها الثريّ بالدلالات : ( ثرثرات نكرة) ( مركز الأدب العربي للنشر – ديسمبر 2025) لا تثرثر وفاء أحمد بل توجز وترى وتكثف، وتقدم رؤيتها الجمالية الإبداعية التي تركّز بشكل جوهري على الإعلاء من قيمة الذات المبدعة، وقيم حضورها وتأملاتها في الإنسان والأشياء والوجود.
استهلال الأنا:
منذ بداية الكتاب تركز وفاء أحمد على حضور الذات، فالكتاب يُهدى إلى ذاتها بشكل تجريدي عبر ضمير الغياب ، وهو ضمير يشير إلى ذاتها مباشرة، لكنها تقوم بشطر الذات وتجريدها عبر ضمير الغياب( هي) لتصبح الحالة الوصفية أكثر وضوحًا وجلاءً بعيدًا عن ضمير الأنا المباشر، كأنها تكسر حدة النرجسية لتعلي من شأن حوارية كامنة ما بين فعل التكلم وفعل الغياب ، تقول في الإهداء:
” إلى تلك التي لم تجد يدًا تُمسكها
فأمسكت بنفسها ومضت
إلى من حملتْ أثقالًا لم تكن تناسب عمرها
لكنها واصلت الطريق على أي حال”
الإهداء – بوصفه عتبة نصية هنا – يفتح المجال الأول لقراءة مختلفة، عبر استشعار العلاقة ما بين الحضور والتجريد، وهو تجريد لا يقلص من مساحة حضور الأنا بالضرورة، بل يتجاوز – عبر نسق بلاغي – الأنا إلى تجريد يعزز من وجودها بشكل آخر، كأنها تطرّز الأنا بمساحة أخرى تعلي من شأنها ، كما يفعل الشعراء أحيانا في قصائدهم فيقومون بتجريد ذواتهم إلى: (هو) ليستطيعوا ترميزها والإشارة إليها والحوار معها .
ويومئ الإهداء إلى رحلة كفاح مضنية للذهاب صوب الكتابة والإبداع، ” إلى من حملت أثقالا لم تكن تناسب عمرها” .. ربما منذ الصغر بدأت المعاناة، صوب طريق الكتابة، وهي مفارقة معاندة منذ البدء، العناد في اختيار الطريق، وهو طريق التفتح والتوهج الإبداعي.
وتواصل الكاتبة إهداءها مبرزة ذلك فتنزف بصمت، وتقاوم التغييب، لتكتب وتتشكل من جديد:
” إليكِ …
يا أنا التي نزفت بصمت
ثم قررت أن تُشفى بصوت مكتوب
إليكِ يا من ظننتِ يومًا أنكِ لن تصمدي
… وها أنتِ هنا
تكتبين، وتبقين، وتتشكلين من جديد”
تحويل الصوت إلى كتابة هو فعل رائع ملموس، التجسد في كتاب أو منشور أو مطبوع هو عمل يحول الذات من كينونتها الخاصة إلى كينونة إبداعية، إلى بنية إبداعية جلية عامة، يطلّ على مكوناتها القارئ العام، حيث يتجسد الصوت في كلمة، والبوح في جمل، والهتاف يتحول إلى تشكيل لغوي ، ومن هنا تومئ الكاتبة إلى الكتابة والتشكيل في إهدائها، ومن ثم تنتقل إلى توصيف كتابها، الذي شكّل لها حالة نجاة ووثيقة حياة كُتبت بأبجدية القلب:
هذا الكتاب ليس إنجازًا
بل نجاة
… بل وثيقة حياة
كتبها القلبُ ، حين لم يُصغِ إليه أحد ”
الإهداء ليس مجرد إهداء عادي هنا، بل هو نص. الكاتبة أدخلتنا عبر هذه العتبة النصية بالمفهوم الجيرار-جينيتي إلى الأفق النصّي للوهلة الأولى ، أقلتنا إلى عذابات الكتابة ومعاناتها منذ البدء، كأنها تحفزنا – كقراء – على أخذ فعل الكتابة منذ البدء بشكل جاد، بشكل يقلب مكامن الكلمات وجواهرها كي يصل إلى دلالة هذه الذات الحاضرة المجردة معا.
إن وفاء أحمد هنا تستبصر آليات وعينا منذ البدء، وتحفزنا على قراءة مختلفة، وهو ما أكدته نهاية الإهداء التي تشير إلى الكتابة بالقلب ، في مفارقة كبيرة تبدي مقاومة وعنادا جليا ما بين المنع والحضور، وكسر العوائق المختلفة، فالقلب يكتب رغم أن أحدا لم يصغِ له من قبل، ورغم النزف بصمت، ورغم حمل الأثقال ووعورة الطريق، إلا أن الكتاب جاء بمثابة نجاة، ووثيقة حياة تقدمها الكاتبة.
وقد استخدمت الكاتبة ضميري الغياب : (هي) والمخاطب ( أنتِ) عبر آليتي: التجريد والالتفات لتدل على أناها في نسق ثنائي بارز، تكمن فيه الأنا الواردة بعد أداة نداء: ( يا أنا التي نزفت بصمت) وقد تحول الإهداء هنا إلى نص كما أشرتُ سابقا، وهذا التحول جعل الكاتبة تمهّد بفعلها الكتابي المفارق المتوتّر منذ البدء، كأن الإهداء هنا صرخة كتابية جاءت بعد صمت طويل لتجذب القارئ وتحفزه منذ البدء على استشعار مكامن الكتاب وجواهره المضمرة.
مرآة الكتابة:
تنطوي مقدمة كتاب: ( ثرثرات نكرة) على مفاهيم كثيرة للكتابة تحددها وفاء أحمد، وهي مفاهيم منبثقة من رؤيتها الذاتية لفعل الكتابة، وجمالياتها وآلياتها، ورسالتها التي تصبو إبرازها إلى القارئ، وتبيينها للذهنيات المتشوفة التي تنظر إلى فعل الكتابة كقيمة إبداعية ماثلة، لا كأداة لاستهلاك الأبجدية والكلام.
وإذا كانت الكاتبة قد أشارت في الإهداء إلى تحديات الوصول إلى هذه الكتابة، وفضاءاتها المتعددة، فإنها في هذه المقدمة تتوسع أكثر، وتبدي لنا رحابة الكتابة وتجلياتها، ولكن عبر الخواص التي تقدمها الذات المبدعة ، فتستهل بهذه الأسطر الثلاثة البارعة التي تحدد منطلقات الكتابة عندها التي لا تنبع من معرفة أو تيقن بالأشياء بل من الحيرة والتوهان والبحث عن أثر متجسد ملموس، تستهل الكاتبة بالقول:
” لم أكتب لأنني أعرف
بل لأنني تهتُ كثيرًا
وكنتُ بحاجة إلى أثر يدلني على نفسي ”
ثمة إشارة دالة هنا في هذا الاستهلال، تتمثل في أن الكتابة لا تتأدى عبر معرفة مسبقة، وهي ، على اليقين موجودة لدى الكاتبة، فلا كتابة من دون معرفة آليات الكتابة ، مثلا، ولا كتابة من دون ترسيخ الوعي بذاكرة معرفية تطل على المنتج الإبداعي شعرا ونثرا، وتطل على حكمة الإنسان ووجوده عبر الفلسفة والعلم والتاريخ والتراث والإبداع المعاصر، من هنا فإن المعرفة قيمة نموذجية مثلى من المفترض توفرها في الكاتب أو الكاتبة، ومن هنا إذا كانت الكاتبة تنفي فعل المعرفة فهو نفي تشكيلي في الأسطر لا نفي حقيقي، لكنها لا تريد أن تجعل المعرفة بمثابة محفز كتابة، فهناك الكثير ممن يقرأون ويعرفون ولكنهم ليسوا بكتاب، كأن الكاتبة هنا تشير إلى حالة من الحيرة والتوهان هي سبب كتابتها، وهي تبحث عن أثر يدل على الذات وهو ما وجدته في: الكتابة.
الكتابة عنوان نجاة من الصمت الكتابة نافذة تطل على روح تريد أن تتنفس وتفك حصار الاختناق، الكتابة نوع من الخلاص الذي تلجأ إليه الكاتبة لتحدق في ذاتها أولا وتكتشفها.
الخبر الثقافي موقع يهتم بكافة النواحي الثقاقية بمختلف مجالاتها وتغطية الأخبار الفنية .