حكيم جماعين يكتب: جدة تحتفي بالفن التشكيلي المصري
اتضنت مدينة جدة عروس البحر الأحمر، وفي قاعة أتيليه جدة، مساء أمس الأحد، فعالية فنية مميزة احتفاءً بالفن التشكيلي المصري، حيث التقت الأصالة بالإبداع المعاصر في عرض بصري يعكس عمق التجربة الفنية المصرية وتنوع مدارسها.
غير أن هذا الحدث، في جوهره، يتجاوز كونه مجرد تظاهرة جمالية أو عرضاً فنياً عابراً إذ يشكّل مساحة حوار ثقافي مفتوح، تتقاطع فيه الذاكرة الجمعية مع أسئلة الحاضر، وتتجلى فيه وظيفة الفن بوصفه خطاباً إنسانياً قادراً على تجاوز الحدود الجغرافية والاختلافات الاجتماعية.

إن الفن التشكيلي، حين يُعرض خارج سياقه المكاني الأصلي، لا ينتقل بوصفه منتجاً جمالياً فحسب، بل يحمل معه منظومة قيم ورؤى فلسفية تشكّلت عبر التاريخ، وتفاعلت مع التحولات السياسية والاجتماعية والروحية للمجتمع الذي أنجبها.
ومن هنا، تبرز أهمية قراءة هذا الحدث قراءة نقدية تُفكّك تجلياته الفنية، وتُصنّف اتجاهاته الجمالية، وتُحلّل لغاته البصرية، مع الوقوف عند قدرته على بناء جسور وجدانية بين الشعوب، وتعزيز أواصر المحبة والتفاهم الثقافي.

ففي جدة، المدينة التي لطالما شكّلت بوابة تلاقٍ حضاري بين الشرق والغرب، يصبح الفن التشكيلي المصري وسيطاً حيوياً جمالياً لا يكتفي بإبهار العين، بل يخاطب الوعي، ويحرّك الأسئلة الوجودية، ويؤكد أن الجمال ليس ترفاً بصرياً، بل ضرورة إنسانية تسهم في ترميم العلاقة بين الفرد وذاته، وبين المجتمع ومحيطه الثقافي الأوسع، وفي هذا السياق يبرز أتيليه جدة للفنون بوصفه أحد الفضاءات الثقافية الرائدة التي اضطلعت بدور محوري في تقديم الفن التشكيلي المصري للجمهور السعودي والعربي، بإدارة الناقد هشام قنديل ليس باعتباره ضيفاً عابراً على المشهد الفني المحلي، بل كجزء أصيل من حوار بصري ممتد، يعترف بتعدد التجارب وتكاملها داخل الجغرافيا الثقافية العربية.

لقد نجح أتيليه جدة في ترسيخ مفهوم العرض الفني الواعي، القائم على الانتقاء المدروس للأعمال والتجارب، بما يتيح للمتلقي فرصة التفاعل الحقيقي مع المنجز التشكيلي، بعيداً عن الاستهلاك السريع للصورة. ومن خلال استضافته لتجارب مصرية متنوعة، تنتمي إلى مدارس وأساليب فنية متعددة، أسهم الأتيليه في كشف الطبقات العميقة للتجربة التشكيلية المصرية، تلك التي تتكئ على التاريخ والهوية، وفي الوقت ذاته تنفتح على أسئلة المعاصرة والتحولات الجمالية العالمية.
ولا تقتصر ريادة أتيليه جدة للفنون على كونه مساحة عرض، بل تتجلى أهميته في دوره التنويري والثقافي، حيث يعمل كوسيط معرفي بين الفنان والعمل والجمهور، عبر خلق سياق نقدي مصاحب للمعارض، يُعيد الاعتبار للقراءة والتحليل، ويمنح الفن مكانته بوصفه فعلاً فكرياً واجتماعياً. وبهذا المعنى، يسهم الأتيليه في بناء ذائقة بصرية قادرة على التمييز والتأمل، وتعزيز وعي مجتمعي يدرك أن الفن التشكيلي ليس انعكاساً جمالياً فحسب، بل مرآة لتحولات الإنسان ومجتمعه.

إن احتضان أتيليه جدة للفنون، للفن المصري التشكيلي يندرج ضمن مشروع ثقافي أوسع، يهدف إلى مدّ الجسور بين التجارب العربية المبدعة، وتكريس قيم المحبة والتواصل الإنساني عبر اللغة البصرية المشتركة. فالفن حين يُقدَّم في فضاء يؤمن بدوره الحضاري، يتحول إلى أداة للتقارب، وإلى خطاب صامت قادر على تفكيك الصور النمطية، وفتح آفاق جديدة للفهم المتبادل، مؤكداً أن الثقافة العربية، بتنوعها وثرائها، قادرة على إنتاج مشهد فني متكامل، تتجاور فيه الخصوصية مع الانتماء الجمعي.

وفي الختام، لا يمكن النظر إلى هذه الفعالية بوصفها حدثاً فنياً معزولاً عن سياقه الثقافي والاجتماعي، بل كعلامة دالة على تحوّل عميق في وعي المشهد التشكيلي العربي بدوره ومسؤوليته. فالفن حين يُحتفى به في فضاء واعٍ كأتيليه جدة للفنون، يتحرر من كونه ممارسة نخبوية مغلقة، ليغدو فعلاً إنسانياً مشتركاً، قادراً على إعادة صياغة العلاقة بين الجمال والمعنى، وبين الإبداع والمجتمع.
إن عرض الفن التشكيلي المصري في جدة عروس البحر الأحمر، لا يستحضر تاريخاً فنياً عريقاً فحسب، بل يطرح أسئلة نقدية حول راهن التشكيل العربي، وحدود تفاعله مع المتغيرات المعاصرة، ودوره في ترسيخ قيم الحوار والانفتاح. وهنا تتجلى أهمية مثل هذه المبادرات التي تعيد للفن وظيفته الأصلية: كقوة معرفية ناعمة، تُقاوم التهميش والسطحية، وتؤكد أن الجمال ليس ترفاً، بل ضرورة ثقافية وأخلاقية.

وبين جدة والقاهرة، يتشكل فضاء بصري مشترك، تُنسج فيه خيوط المحبة عبر اللون والخط والكتلة، وتُبنى فيه جسور الوعي عبر التفاعل الصادق مع العمل الفني. فحين يلتقي الفن بالإرادة الثقافية، يصبح المعرض خطاباً، واللوحة موقفاً، والفضاء الفني مساحةً لإعادة التفكير في الإنسان العربي، وهويته، وقدرته الدائمة على إنتاج المعنى والجمال معاً.
*الكاتب ناقد فني وتشكيلي

الخبر الثقافي موقع يهتم بكافة النواحي الثقاقية بمختلف مجالاتها وتغطية الأخبار الفنية .