أخبار عاجلة

ناصر عطالله يكتب: «الثامنة بتوقيت الموت».. باكورة محمد الذهبي من غزة الإبادة إلى العالم المشاهد

ناصر عطالله يكتب: «الثامنة بتوقيت الموت».. باكورة محمد الذهبي من غزة الإبادة إلى العالم المشاهد

قبل افتتاح معرض القاهرة الدولي للكتاب، عُرض عليّ إصدار للكاتب الفلسطيني محمد الذهبي. لا أنكر معرفتي الشخصية بهذا الشاب الرزين المؤدّب، غير أنّ معرفتي المهنية به كانت تحصره في كونه صحافيًا يعمل في مدرّجات الإعلام. وقد فاجأني قلمه السيّال وعبارته الشاعرة، إذ علمتُ قبل أيام قليلة أنّ دار «أم الدنيا» القاهرية أصدرت له كتابًا بعنوان «الثامنة بتوقيت الموت». فدخلني سرور ممزوج ببهجة، لكوني من متابعي تجارب الشباب الإبداعية، فطلبتُ منه أن يرسل لي نسخة PDF للاطلاع، فإذا بمقام الكتاب أعلى بكثير مما قدّرته قبل المطالعة.
الذهبي شاب في عقده الثالث، وأب لثلاثة أطفال، ووحيد والديه. غامر بالتعبير عن الإبادة وأهوال العدوان الغاشم على قطاع غزة. ومن خلال متابعتي لصفحته الشخصية على «فيسبوك»، تعزّزت لديّ قناعة بأنه قلم واعد، بل تجاوز مرحلة الاختبار والتوقّعات، ليدخل فعليًا أرض الكلمة المعبرة، ويلتحق بأجيال الكتّاب والأدباء. وصدور باكورة أعماله دليل واضح على هذه النقلة الكبيرة، فليس كل صحافي أديبًا، وإن كان كاتبًا.
يحمل «الثامنة بتوقيت الموت» ملامح ظلٍّ بلا بصمات مباشرة في مرامي النصوص. يبدأ بمفتتح عن الحرب المستمرة على غزة، تليه ستّ سرديات نثرية تميل إلى فن القصة القصيرة، من حيث المضمون، وبسرد مفتوح على العبارة الشعرية شكلًا وشاهدًا. ثم يأتي بعد ذلك واحد وسبعون نصًا شعريًا، تتأرجح بين التفعيلة غير المقصودة والنص المنثور، المتروك لرنّة الحرف وتشابه إيقاعه، كما في قوله:
صه
أنا ابن الخيمة لا أهاب
الخيمة خيبة
دمع أمي خيبة
ولا سلام
ويضع الكاتب عنوان مجموعته «الثامنة بتوقيت الموت»، من نصٍ مغروسًا في جسد الكتاب، بين مجموعة نصوص مستوحاة من الحرب على قطاع غزة. لم تغب فيه الأم الثكلى، ولا الطفل الشهيد، ولا الخيمة الرثّة، ولا الخراب الواسع، فيما غابت الحدائق والموسيقى، والبيوت المسقوفة، والأشجار المثمرة. وهذا الغياب ليس تجنّيًا أراده الكاتب، بل هو صدق الواقع في غزة؛ نقله من عينه الحزينة، مرورًا بقلبه المكلوم، إلى حبره الساخن والورق الشاهد.
واحدة وسبعون قطعة شعرية، قصيرة في معظمها، أقرب إلى تراتيل ناي على جرح وطن مشقوق ومشروخ، يحتضر بما حوى واحتوى. لينجح الكاتب، المتواجد حتى اليوم في غزة المدمّرة، رغم ما يعانيه من ظروف قاسية، وفراقه لعائلته التي آثر خروجها في أشهر الحرب الأولى إلى مصر، ليطمئن قلبه عليها. بعد أن رأى أشباههم من أهل وجيران وأطفال، قطعًا ممزقة على الإسفلت والجدران المنهارة، تغلّب على قهره وكتب «الثامنة بتوقيت الموت»، الذي سيكون حاضرًا في معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا الشهر، في جناح دار «أم الدنيا» للدرسات والنشر والتوزيع.
«الثامنة بتوقيت الموت» تحليق روح كاتب موجوع فوق أرض سُلب أمنها، وعُرّيت مدنها حدّ الجنون، واستُبيحت حياتها بغدر لا مثيل له في عصرنا؛ عصرٌ عَصَرَ كلَّ شيء في غزة، كبرتقالة الذهبي التي اشتراها بثمنٍ غالٍ، وأخفاها عن أطفال الحيّ كي لا يشتهوها. وغزة، قبل الإبادة، كانت أرض البرتقال السعيد.
أرجو لزميلي الكاتب محمد الذهبي التوفيق والتميز في أعماله القادمة.
*الكاتب شاعر فلسطيني