حكيم جماعين يكتب : الأسرة المبدعة بين التشكيل الاجتماعي وسؤال المعرفة. “عائلة السماحي”
لا يمكن النظر إلى الاسرة التي تعمل في مجال الفنون البصرية والإبداع بوصفها مجرد تجمّع مهني أو مصادفة وراثية للموهبة، بل هي بنية رمزية مركّبة، يتقاطع فيها الإجتماعي بالوجداني، والمعرفي بالوجودي. فالفن هنا لا يُنتج في فراغ، بل داخل نسيج أسري يُعيد تشكيل الذائقة، ويعيد تعريف الذات، ويطرح أسئلة عميقة حول مصدر المعرفة الفنية وحدودها.
وأمام معرض “عائلة السماحي” على صالات العرض في قاعة ضي الزمالك تقدم لنا أسرة السماحي حقلًا ثقافياً مصغّرًا (وفق تصور بيير بورديو)، تُعاد فيه إنتاج القيم الجمالية ورأس المال الرمزي.
حيث ان الرسم والنحت لا يُمارسان فقط كفعل إبداعي، بل آلية تنشئة اجتماعية تُكسب الفرد لغة بصرية خاصة وسلطة ناعمة تفرض إنموذجاً جمالياً قد يتحول إلى معيار داخلي يصعب الهروب منه، شبكة اعتراف متبادل تمنح العمل الفني شرعيته داخل العائلة قبل المجتمع، غير أن هذه البنية قد تحمل تناقضًا فهي تخلق بيئة خصبة للإبداع، لكنها قد تؤدي أيضاً إلى إعادة إنتاج الأسلوب بدل تجاوزه، مما يضع الفرد الفنان بين الامتثال والتمرّد وهذا ما تخطته هذه الاسرة(أسرة السماحي) المبدعة وتفرد فيها كل فنان بأدواته وأشكاله وهواجسه، حيث تتحولت الاسرة إلى فضاء يُطرح فيه سؤال الوجود عبر المادة (الحجر، اللون، الفراغ). ليصبح الابداع فعل تأويلياً للذات (هايدغر)، الفن لا يصف العالم بل يكشفه، ممارسة وجودية حيث يختبر الفنان معناه الخاص داخل جماعة قريبة، صراعاً بين الذات الفردية والهوية الجماعية، الاسرة في هذا السياق ليست مجرد خلفية، بل شرطاً فلسفياً لظهور المعنى. حيث يمكن قراءة الاسرة المبدعة باعتبارها مسرحاً دينامياً تتفاعل فيه اللاوعي الجمعي (يونغ) الرموز والأساطير تتكرر عبر الأعمال، علاقة التماهي، الأب/الأم الفنان كنموذج أعلى، التنافس الإبداعي الذي قد يتحول إلى دافع أو عقدة، الرسم والنحت يعملان كآليتين للتسامي (Freud)، حيث تتحول التوترات والانفعالات المكبوتة إلى أشكال جمالية، لكن الخطر النفسي يكمن في ذوبان الهوية الفنية للفرد، وهذا ما تجاوزته ايضا هذه العائلة حيث انتج كل فرد ابداعه بخصوصية لغوية بصرية إبداعية تميزه، وتترجم ما بداخله. كما ان السؤال الإبستملوجي الذي تطرحه الأسرة المبدعة يكون سؤالًا مركزيًا.
هل المعرفة الفنية تُورث أم تُبنى؟
وهنا قد نقف على مجموعة من المحاور نلخصها على الشكل التالي.
نقد فكرة الموهبة الخالصة، الإيبة الوراثية لا تنتج معرفة دون ممارسة ووعي.
رفض الحتمية الاجتماعية، البيئة لا تخلق فنانًا آليًا.
الفن كمعرفة تجريبية، تُنتج عبر الخطأ، التجريب، والقطيعة مع السائد.
المعرفة الفنية، إذن، ليست تراكماً عائلياً، بل بناء نقدي مستمر، والاسرة ليست مصدراً للحقيقة بل فضاءً للاختبار، الاسرة التي تعمل في الرسم والنحت ليست ظاهرة فنية فقط، بل بنية معرفية وإنسانية معقّدة هي في آنٍ واحد حاضنة اجتماعية، سؤال معرفي مختبر نفسي، وإشكالية إبستمولوجية.
ويبقى التحدي الحقيقي أمام الفنان المنتمي لأسرة مبدعة هو تحويل الإرث إلى أفق لا إلى قيد، وجعل الفن فعل معرفة حرة لا صدى مكرراً للذاكرة.

*الكاتب ناقد فني وتشكيلي
الخبر الثقافي موقع يهتم بكافة النواحي الثقاقية بمختلف مجالاتها وتغطية الأخبار الفنية .